فَالْوَرَعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ: إِمَّا تَخَوُّفٌ، أَوْ تَعْظِيمٌ. وَاكْتَفَى بِذِكْرِ التَّعْظِيمِ عَنْ ذِكْرِ الْحُبِّ الْبَاعِثِ عَلَى تَرْكِ مَعْصِيَةِ الْمَحْبُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ تَعْظِيمِهِ. وَإِلَّا فَلَوْ خَلَا الْقَلْبُ مِنْ تَعْظِيمِهِ لَمْ تَسْتَلْزِمْ مَحَبَّتُهُ تَرْكَ مُخَالَفَتِهِ؛ كَمَحَبَّةِ الْإِنْسَانِ وَلَدَهُ وَعَبْدَهُ وَأَمَتَهُ. فَإِذَا قَارَنَهُ التَّعْظِيمُ أَوْجَبَ تَرْكَ الْمُخَالَفَةِ.
قَالَ: وَهُوَ آخِرُ مَقَامِ الزُّهْدِ لِلْعَامَّةِ، وَأَوَّلُ مَقَامِ الزُّهْدِ لِلْمُرِيدِ.
يَعْنِي أَنَّ هَذَا التَّوَقِّيَ وَالتَّحَرُّجَ - بِوَصْفِ الْحَذَرِ وَالتَّعْظِيمِ - هُوَ نِهَايَةٌ لِزُهْدِ الْعَامَّةِ، وَبِدَايَةٌ لِزُهْدِ الْمُرِيدِ. وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَرَعَ - كَمَا تَقَدَّمَ - هُوَ أَوَّلُ الزُّهْدِ وَرُكْنُهُ، وَزُهْدُ الْمُرِيدُ فَوْقَ زُهْدِ الْعَامَّةِ. وَنِهَايَةُ الْعَامَّةِ هِيَ بِدَايَةُ الْمُرِيدِ. فَنِهَايَةُ مَقَامِ هَذَا هِيَ بِدَايَةُ مَقَامِ هَذَا. فَإِذَا انْتَهَى وَرَعُ الْعَامَّةِ صَارَ زُهْدًا. وَهُوَ أَوَّلُ وَرَعِ الْمُرِيدِ.
{وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) }
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ مِنْ السَّلَفِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: لَا تُعْطِ عَطَاءً تَطْلُبُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَهُوَ أَنْ تُهْدِيَ لِيُهْدَى إلَيْك أَكْثَرُ مِنْ هَدِيَّتِك. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...