وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَإِنَّهُمْ لِتَدَبُّرِهِمْ وَفَهْمِهِمْ أَسْرَارَ الدِّينِ ، وَعِلْمِهِمْ بِوُجُوبِ مُطَابَقَتِهَا لِمَصَالِحِ الْمُكَلَّفِينَ ، يَعْقِلُونَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَتَّفِقُ مَعَ مَصْلَحَةِ الْبَشَرِ فِي تَرْقِيَةِ أَرْوَاحِهِمْ ، وَفِي نِظَامِ مَعَايِشِهِمْ ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَإِنَّمَا يُنْتَفَعُ بِإِيْمَانِ أَمْثَالِهِمْ .
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ أَفَادَ حُكْمًا جَدِيدًا وَإِرْشَادًا عَظِيمًا ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يَتْلُو الْكِتَابَ لِمُجَرَّدِ التِّلَاوَةِ مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ، فَلَا حَظَّ لَهُ مِنَ الْإِيْمَانِ بِالْكِتَابِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْهَمُ أَسْرَارَهُ وَلَا يَعْرِفُ هِدَايَةَ اللهِ فِيهِ . وَقِرَاءَةُ الْأَلْفَاظِ لَا تُفِيدُ الْهِدَايَةَ وَإِنْ كَانَ الْقَارِئُ يَفْهَمُ
مَدْلُولَاتِهَا كَمَا يَقُولُ الْمُفَسِّرُ وَالْمُعَلِّمُ لَهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا الْفَهْمَ مِنْ قَبِيلِ التَّصَوُّرِ ، وَمَا التَّصَوُّرُ إِلَّا خَيَالٌ يَلُوحُ وَيَتَرَاءَى ثُمَّ يَغِيبُ وَيَتَنَاءَى ، وَإِنَّمَا الْفَهْمُ فَهْمُ التَّصْدِيقِ وَالْإِذْعَانِ مِمَنْ يَتَدَبَّرُ الْكِتَابَ مُسْتَهْدِيًا مُسْتَرْشِدًا مُلَاحِظًا أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهِ مِنَ اللهِ - تَعَالَى - لِيَأْخُذَ بِهِ فَيَهْتَدِي وَيَرْشَدُ ، وَالْمُقَلِّدُونَ مَحْرُومُونَ مِنْ هَذَا فَلَا يَخْطُرُ لَهُمْ بِبَالٍ أَنَّهُمْ مُطَالَبُونَ بِالِاهْتِدَاءِ بِكِتَابِ اللهِ - تَعَالَى - ، وَإِنَّمَا الْهِدَايَةُ عِنْدَهُمْ مَحْصُورَةٌ فِي كَلَامِ رُؤَسَائِهِمُ الدِّينِيِّينَ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانُوا مَيِّتِينَ .
وَإِذَا كُنَّا نَعْتَبِرُ بِمَا قَصَّ اللهُ - تَعَالَى - عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، كَمَا قَالَ: (لَقَدْ