الْجَوَابُ: أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ فَكَانُوا فِي الظَّاهِرِ مُعْتَرِفِينَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلَا جَرَمَ قَالُوا ذَلِكَ بِاللِّسَانِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَقَالُوهُ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِدْلَالِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَمَا قَالَ مِثْلَ هذا الكلام.
(كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38) إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (39)
قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : رَهِينَةٌ لَيْسَتْ بِتَأْنِيثِ رَهِينٍ فِي قَوْلِهِ: (كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ) [الطور: 21] لِتَأْنِيثِ النَّفْسِ لِأَنَّهُ لَوْ قُصِدَتِ الصِّيغَةُ لَقِيلَ: رَهِينٌ، لِأَنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، وَإِنَّمَا هِيَ اسْمٌ بِمَعْنَى الرَّهْنِ كَالشَّتِيمَةِ بِمَعْنَى الشَّتْمِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهْنٌ، وَمِنْهُ بَيْتُ الْحَمَاسَةِ:
أَبَعْدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعْفِ كَوَاكِبِ ... رَهِينَةَ رَمْسٍ ذِي تُرَابٍ وَجَنْدَلِ
كَأَنَّهُ قَالَ: رَهْنٌ رَمْسٌ، وَالْمَعْنَى كُلُّ نَفْسٍ رَهْنٌ بِكَسْبِهَا عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مَفْكُوكٍ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ، فَإِنَّهُمْ فَكُّوا عَنْ رِقَابِ أَنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمُ الْحَسَنَةِ، كَمَا يُخَلِّصُ الرَّاهِنُ رَهْنَهُ بِأَدَاءِ الْحَقِّ.
(قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ أَخَّرَ التَّكْذِيبَ، وَهُوَ أَفْحَشُ تِلْكَ الْخِصَالِ الْأَرْبَعَةِ؟
قُلْنَا أُرِيدَ أَنَّهُمْ بَعْدَ اتِّصَافِهِمْ بِتِلْكَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ كَانُوا مُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَالْغَرَضُ تَعْظِيمُ هَذَا الذَّنْبِ، كَقَوْلِهِ: (ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) [الْبَلَدِ: 17] . انتهى انتهى {مفاتيح الغيب} .