وقيل: انتقلت أسماؤها إليهم فاتخذوا أمثالها، فعبدوها إذ يبعد بقاء أعيان تلك الأصنام، كيف وقد خربت الدنيا في زمان الطوفان، ولم يضعها نوح في السفينة؛ لأنّه بعث لنفيها. وجوابه: أنّ الطوفان دفنها في ساحل جدة فلم تزل مدفونة حتى أخرجها اللعين لمشركي العرب. نظيره: ما روي أنَّ آدم عليه السلام كتب اللغات المختلفة في طين وطبخه، فلما أصاب الأرض الغرق بقي مدفونًا، ثم وجد كل قوم كتابًا فكتبوه، فأصاب إسماعيل عليه السلام الكتاب العربي. وقيل: هي أسماء قوم رجال صالحين كانوا بين آدم ونوح. وقيل: من أولاد آدم، ماتوا فحزن الناس عليهم حزنًا شديدًا، واجتمعوا حول قبورهم لا يكادون يفارقونها، وذلك بأرض بابل، فلما رأى إبليس فعلهم ذلك جاء إليهم في صورة إنسان، وقال لهم: هل لكم أن أصور لكم صورهم إذا نظرتم إليها ذكرتموهم واستأنستم وتبركتم بهم؛ قالوا: نعم. فصور لهم صورهم من صفر ونحاس ورصاص وخشب وحجر، وسمى تلك الصور بأسمائهم. ثم لما تقادم الزمن وانقرضت الآباء والأبناء وأبناء الأبناء قال لمن حدث بعدهم: إن من قبلكم كانوا يعبدون هذه الصور، فعبدوها في زمان مهلاييل بن فينان، ثم صارت سنة في العرب في الجاهلية.
وذلك إمّا بإخراج الشيطان اللعين تلك الصور كما سبق أو بأنه كان لعمرو بن لحي، وهو أول من نصب الأوثان في الكعبة فقال له تابع من الجن: اذهب إلى جدة وائت منها بالآلهة التي كانت تعبد في زمن نوح وإدريس، وهي ود إلخ. فذهب وأتى بها إلى مكة، ودعا إلى عبادتها، فانتشرت عبادة الأوثان في العرب. وعاش عمرو بن لحي ثلاث مائة وأربعين سنة، ورأى من ولده وولد ولد ولده ألف مقاتل، ومكث هو وولده في ولاية البيت خمس مائة سنة، ثم انتقلت الولاية إلى قريش، فمكثوا فيها خمس مائة أخرى، فكان البيت بيت الأصنام ألف سنة.