والمعنى: فما منكم قوم يحجزون؛ أي: يمنعون ويدفعون عن المقتول أو عن قتله وإهلاكه المدلول عليه بقوله: {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) } ؛ أي: لا يقدر أحد على الحجز والدفع عنه، فكيف يتكلف الكذب على الله لأجلكم مع علمه أنه لو تكلف ذلك .. لعاقبناه ولا تقدرون على الدفع عنه. وهذا مبنيّ على أصل لغة بني تميم، فإنهم لا يعملون {ما} لدخولها على القبيلتين الاسم والفعل، وقد يجعل {حَاجِزِينَ} خبرًا لـ {ما} على اللغة الحجازية، ولعله أولى. فتكون كلمة {ما} هي المشبهة بليس، فـ {مِنْ أَحَدٍ} اسم {ما} ، و {حَاجِزِينَ} خبرها، منصوب، و {مِنْكُمْ} حال مقدم وكان في الأصل صفة لـ {أَحَدٍ} . وفي الآية تنبيه على أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لو قال من عند نفسه شيئًا أو زاد أو نقص حرفًا واحدًا على ما أوحي إليه .. لعاقبه الله، وهو أكرم الناس عليه، فما ظنك بغيره ممن قصد تغيير شيء من كتاب الله بتأويله أو قال شيئًا من قبل نفسه؟ كما ضل بذلك بعض الفرق الضالة.
48 - {وَإِنَّهُ} ؛ أي: وإن هذا القرآن {لَتَذْكِرَةٌ} ؛ أي: لموعظة {لِلْمُتَّقِينَ} ؛ أي: للذين اتقوا الشرك والمعاصي وحب الدنيا، فإنه يتذكر بهذا القرآن وينتفع به بخلاف المشركين، ومن مال إلى الدنيا وغلبه حبها، فإنه يكذّب به ولا ينتفع به.
49 - {وَإنَا لَنَعْلَمُ} في الأول {أَنَّ مِنْكُمْ} أيها الناس {مُكَذِّبِينَ} بالقرآن، فنجازيهم على تكذيبهم. قال الإِمام مالك رحمه الله تعالى: ما أشد هذه الآية على هذه الأمة. وفي الآية وعيد شديد لا يخفى. والظاهر: أن قوله: {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) } وما بعده معطوف على جواب القسم، فهو من جملة المقسم عليه، وما بينهما اعتراض اهـ شيخنا.
والمعنى: أي وإنّ هذا القرآن .. لعظة وذكرى لمن يخشى عقاب الله فيطيع أوامره وينتهي عما نهى عنه. وخص المتقين بالتذكرة والعظة؛ لأنّهم هم الذين ينتفعون بها. {وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) } له بسبب حبكم للدنيا وحسدكم للداعي، وإنا لنجازيكم على ذلك بما تستحقون إظهارًا للعدل.