والمخادعة مفاعلة ، والمعروف فيها أن يفعل كل أحد بالآخر مثل ما يفعله به فيقتضي أن يصدر من كل واحد من الله ومن المؤمنين ومن المنافقين فعل يتعلق بالآخر ، وظاهر هذا مشكل لأن الله سبحانه لا يخدع ولا يخدع ، أما على التحقيق لأنه غني عن كل نيل وإصابة واستجرار منفعة لنفسه وهو أيضاً متعال على التعمل واستحضار المقدمات ولأنه جل عن أن يحوم حول سرادقات جلاله نقص الانفعال وخفاء معلوم ما عليه ، وأما على ما ذكره السيد فلأنه جل شأنه أجل من أن تخفى عليه خافية أو يصيبه مكروه فكيف يمكن للمنافقين أن يخدعوه ويوقعوا فِي علمه خلاف ما يريدون من المكروه ويصيبونه به مع أنهم لكونهم من أهل الكتاب عالمون باستحالة ذلك ، والعاقل لا يقصد ما تحقق لديه امتناعه ، وأما أنه لا يخدع فلأنه وإن جاز عندنا أن يوقع سبحانه فِي أوهام المنافقين خلاف ما يريده من المكاره ليغتروا ثم يصيبهم به لكن يمتنع أن ينسب إليه لما يوهمه من أنه إنما يكون عن عجز عن المكافحة وإظهار المكتوم لأنه المعهود منه فِي الإطلاق كما فِي"الانتصاف"ولذا زيد فِي تفسيره مع استشعار خوف أو استحياء من المجاهرة ، وأما المؤمنون وإن جاز أن يخدعوا إلا أنه يبعد أن يقصدوا خدع المنافقين لأنه غير مستحسن بل مذموم مستهجن وهي أشبه شيء بالنفاق وهم فِي غنى عنه على أن الانخداع المتمدح به هو التخادع بمعنى إظهار التأثر دونه كرماً كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم:"المؤمن غر كريم"لا الانخداع الدال على البله ، ولذا قالت عائشة فِي عمر رضي الله تعالى عنهما: كان أعقل من أن يخدع وأفضل من أن يخدع ، ويجاب عن ذلك بأن صورة صنيعهم مع الله تعالى حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون ، وصورة صنيع الله تعالى معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عند أهل الدرك الأسفل ، وصورة صنيع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله تعالى فيهم فأجروا ذلك عليهم تشبه صورة المخادعة ففي الكلام إما