ونقل ابن حزم فِي"الفِصَل"عن جماعة منهم ، فيهم بشر المريسي والأصَم من استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف ولهم وقفة لا يدخلون النار مدة ثم يدخلون الجنة ومن رجحت سيئاته فهو مجازى بقدْر ما رجح له من الذنوب فمِن لفحة واحدة إلى بقاء خمسين ألف سنة فِي النار ثم يخرجون منها بالشفاعة.
وهذا يقتضي أن هؤلاء لا يرون الخلود.
وقد نقل البعض عن المعتزلة أن المنزلة بين المنزلتين لا جنة ولا نار إلا أن التفتازاني فِي"المقاصد"غلَّط هذا البعض وكذلك قال فِي"شرح الكشاف".
وقد قرر صاحب"الكشاف"حقيقة المنزلة بين المنزلتين بكلام مجمل فقال فِي تفسير قوله تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين} من سورة البقرة (26) والفاسق فِي الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة وهو النازل بين المنزلتين أي بين منزلتي المؤمن والكافر.
وقالوا إن أول من حد له هذا الحد أبو حذيفة واصل بن عطاء وكونه بين بين أن حكمه حكم المؤمن فِي أنه يناكَح ويوارَث ويغسَّل ويصلى عليه ويدفن فِي مقابر المسلمين وهو كالكافر فِي الذم واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته وأن لا تقبل له شهادة ا ه ، فتراه مع إيضاحه لم يذكر فيه أنه خالد فِي النار وصرح فِي قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها} فِي سورة النساء (93) بما يعمم خلود أهل الكبائر دون توبة فِي النار.
قلت وكان الشأن أن إجراء الأحكام الإسلامية عليه فِي الدنيا يقتضي أنه غير خالد إذ لا يعقل أن تجري عليه أحكام المسلمين وتنتفي عنه الثمرة التي لأجلها فارق الكفر إذ المسلم إنما أسلم فراراً من الخلود فِي النار فكيف يكون ارتكاب بعض المعاصي موجباً لانتقاض فائدة الإسلام ، وإذا كان أحد لا يَسْلم من أن يقارف معصية وكانت التوبة الصادقة قد تتأخر وقد لا تحصل فيلزمهم ويلزم الخوارج أن يعُدوا جمهور المسلمين كفاراً وبئس مُنكراً من القول.