وكون مرتكب الكفر المعين لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة، لا يبيح للمسلمين السكوت عنه وإشعاره بأنه مسلم، بل إن ذلك يوجب عليهم، أن يبينوا له أن الكفر يخرج صاحبه بعد إقامة الحجة عليه من الملة، وأن صاحبه مخلد فِي النار إذا مات عليه.
ومن أمثلة ذلك إنكار ما علم من الدين بالضرورة وجوبه، كاعتقاد تحكيم شرع الله والحكم به، وهو كثير فِي أبواب الفقه الإسلامي، ومنه أركان الإسلام، وإقامة الحدود، وتقسيم الميراث بين الورثة كما نزل بها القرآن.
وكذلك استحلال ما علم من الدين بالضرورى تحريمه، كشرب المسكر وأكل الميتة والزنا ...
فكل ذلك يجب على المسلمين وبخاصة العلماء إنكاره وبيانه لمن اتصف به، فإذا أنكروه وبينوه وقامت الحجة على صاحبه ولم يؤب إلى الله ويستسلم لحكمه أصبح بعينه مستحق للتكفير ...
ويجب أن يعلم أنه كلما كانت المخالفة أشد كان وجوب الإنكار أعظم، وكلما كانت القدرة على إنكار المنكر أقوى كان وجوبه أشد، وكلما كانت مصالح الأمر والنهي أكثر من مفاسدهما، كانا أوجب.
ومعرفة تحقق هذه الأمور والموازنة بينهما تعود إلى أهل الحل والعقد، من علماء الأمة وعقلائها وأعيانها وذوي التخصصات المتنوعة فيها.
وليس ذلك إلى غوغاء الناس وجهالها وسفهائها وذوي العواطف غير المنضبطة الذين يضرون الأمة أكثر مما ينفعونها.
قال ابن تيمية رحمه الله:"وَجِمَاعُ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي"الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ": فِيمَا إذَا تَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، وَالْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ أَوْ تَزَاحَمَتْ ; فَإِنَّهُ يَجِبُ تَرْجِيحُ الرَّاجِحِ مِنْهَا فِيمَا إذَا ازْدَحَمَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، وَتَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ."