وقد بيَّن تعالى في كتابه سبب هلاك الأمم السابقة وأنه تكذيبهم للرسل، قَالَ تَعَالَى:"كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِين" [الشعراء: 105] . وقَالَ تَعَالَى:"كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِين" [الشعراء: 123] . وقَالَ تَعَالَى:"كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِين" [الشعراء: 141] . ومن كذَّب برسولٍ واحدٍ فقد كذَّب الرسل جميعًا، ولا يكون الإيمان بهم مقبولًا حتى يؤمن بجميعهم ولا يفرق بين أحد منهم، قَالَ تَعَالَى:"آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير" [البقرة: 285] .
النوع الثاني: كفر الجحود [1] :
فالكافر عنده معرفة بالحق ويقين به، ولكن يجحده ظاهرًا إما كبرًا أو حسدًا أو طمعًا في رئاسة أو دنيا أو غيره، وعلى هذا غالب الكفار، قَالَ تَعَالَى:"قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُون" [الأنعام: 33] . وقَالَ تَعَالَى:"وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا" [النمل: 14] . فأخبر سبحانه أنها استيقنتها أنفسهم ولكن جحدوا ظلمًا وعلوًا أي من أجل الظلم والعلو على الناس، وقال موسى عليه السلام لفرعون:"لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَونُ مَثْبُورًا" [الإسراء: 102] . فعلم فرعون أن ما جاء به موسى هو الحق ولكنه يتظاهر بإنكاره ظلمًا وعلوًّا وإبقاءً على ملكه، ولهذا قال:? مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي" [القصص: 38] ."
[1] وبينه وبين النوع الأول فوارق من وجوه، انظر:"شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل"، و"مدارج السالكين لابن القيِّم"، و"الخفاجي في حاشيته على كتاب الشفاء للقاضي عياض".