قال أبو جعفر: والصواب من القول فِي ذلك عندنا أن يقال: إن الله عز وجل أخبر عباده أنه اختبر إبراهيم خليله بكلمات أوحاهن إليه، وأمره أن يعمل بهن فأتمهن، كما أخبر الله جل ثناؤه عنه أنه فعل. (1) وجائز أن تكون تلك الكلمات جميع ما ذكره من ذكرنا قوله فِي تأويل"الكلمات"، وجائز أن تكون بعضه. لأن إبراهيم صلوات الله عليه قد كان امتحن فيما بلغنا بكل ذلك، فعمل به، وقام فيه بطاعة الله وأمره الواجب عليه فيه. وإذ كان ذلك كذلك، فغير جائز لأحد أن يقول: عنى الله بالكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم شيئا من ذلك بعينه دون شيء، ولا عنى به كل ذلك، إلا بحجة يجب التسليم لها: من خبر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو إجماع من الحجة. ولم يصح فِي شيء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة التي يجب التسليم لما نقلته. غير أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فِي نظير معنى ذلك خبران، لو ثبتا، أو أحدهما، كان القول به فِي تأويل ذلك هو الصواب. انتهى انتهى. {تفسير الطبري حـ 2 صـ 15}
(1) قد ضعف الإمام الطبري الروايتين
والأولى التوقف عن تعيين المراد بهذه الكلمات ويكفي أن الله تعالى امتدحه بقوله {وإبراهيم الذي وفى} أي أتى بكل شيء وافيا، والمتأمل فِي قصة الخليل - عليه السلام - يجد فيها عجبا، ولك أن تتصور رجلا بعد سن التسعين يرزق غلاما ثم يأمر بتركه فِي صحراء جرداء لا زررع بها ولا ماء ولا أنيس مع بعد المكان كيف يطيق بشر هذا الأمر ثم بعد ذلك عندما يقوى ولده وينضج يؤمر - بمجرد رؤيا - بذبحه ولده والعجيب من يتولى الذبح إنه الأب ومع ذلك يستجيب ويسارع لتلبية أمر الرب فِي أمر قال عنه بعض العلماء: إنه تكليف بالمحال ويصف رب العالمين هذا الأمر بقوله تعالى {إن هذا لهو البلاء المبين}
ويكفى أنه كما قال علماؤنا السابقون - رحمهم الله - عن الخليل - عليه السلام - قدم ماله للضيفان وبدنه للنيران وولده للقربان، لذا فالأولى ترك الأمر على عمومه دون تخصيص فالله تعالى قال عنه فِي معرض المدح والثناء {وإبراهيم الذي وفى} ولم يذكر بأى شيء وفَّى ومن المعلوم أنه أتى بكل شيء على وجه التمام والكمال، وتأمل فالمخبر هو الله {أخلص العمل فإن الناقد بصير} وها هو البصير جل جلاله يخبر ويثني على خليله من هنا أقول:
يجب التوقف عند خبر الوحي بنوعيه من كتاب وسنة. والله أعلم وأحكم