فهذه ثلاثة مواضع يذكر فيها أن تقدير حركات الشمس والقمر والأجرام العلوية وما ينشأ عنها كان من مقتضى عزته وعلمه وأنه قدره بهاتين الصفتين وفي هذا تكذيب لأعداء الله الملاحدة الذين ينفون قدرته واختياره وعلمه بالمغيبات.
(فصل)
وأقسم سبحانه بهذه الأشياء الثلاثة وهي القمر والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر على المعاد لما في القسم من الدلالة على ثبوت المقسم عليه فإنه يتضمن كمال قدرته وحكمته وعنايته بخلقه وإبداء الخلق وإعادته كما هو مشهود في إبداء النهار والليل وإعادتهما وفي إبداء النور وإعادته في القمر وفي إبداء الزمان وإعادته الذي هو حاصل بسير الشمس والقمر وإبداء الحيوان والنبات وإعادتهما وإبداء فصول السنة وإعادتها وإبداء ما يحدث في تلك الفصول وإعادته فكل ذلك دليل ظاهر على المبدأ والمعاد الذي أخبرت به الرسل كلهم عنه فصرف سبحانه الآيات الدالة على صدق رسله ونوعها وجعلها للفطر تارة والسمع تارة والمشاهدة تارة فجعلها آفاقية ونفسية ومنقولة ومعقولة ومشهودة بالعيان ومذكورة بالجنان فأبى الظالمون إلا كفوراً {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً}
{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) }
(موعظة)
لله على العَبْد فِي كل عُضْو من أَعْضَائِهِ أَمر، وَله عَلَيْهِ فِيهِ نهي، وَله فِيهِ نعْمَة، وَله بِهِ مَنْفَعَة وَلَذَّة.
فَإِن قَامَ لله فِي ذَلِك الْعُضْو بأَمْره، واجتنب فِيهِ نَهْيه فقد أدّى شكر نعْمَته عَلَيْهِ فِيهِ، وسعى فِي تَكْمِيل انتفاعه ولذته بِهِ.
وَإِن عطّل أَمر الله وَنَهْيه فِيهِ عطّله الله من انتفاعه بذلك الْعُضْو، وَجعله من أكبر أَسبَاب ألمه ومضرّته.
وَله عَلَيْهِ فِي كل وَقت من أوقاته عبوديّة تقدمه إِلَيْهِ تقربه مِنْهُ، فَإِن شغل وقته بعبودية الْوَقْت تقدم إِلَى ربه، وَإِن شغله بهوى أرواحه وبطالة تأخّر، فَالْعَبْد لَا يزَال فِي التَّقَدُّم أَو تأخّر، وَلَا وقُوف فِي الطَّرِيق ألبتّة قَالَ تَعَالَى {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} . انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...