قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} وقال في سورة الإنسان: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} .
للسائل أن يسأل: عن اختلاف المكانين وقوله: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا} وقوله: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} والهاء ضمير مذكر والعائد يعود على مؤنث؟.
الجواب أن يقال: التذكرة مصدر من: ذكرت أذكر تذكيرا وتذكرة، كما يقال:
قدمت تقديما وتقدمة، وكرمت تكريما وتكرمة، فلما كانت الآيات المتقدمة فواصلها في الوقف هاء، كقوله: {حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} و {صُحُفاً مُنَشَّرَةً كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} عادت الهاء إلى مذكر دلت التذكرة عليه وهو بمعناها، وهو: التذكرة والتذكر لتتعادل الفواصل. معنى: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} أي: من شاء انتفع فيكون ذاكرا له، وإذا لم ينتفع به فيكون كالناسي له، وأما قوله: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا} فهو بمعنى: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} لأن من انتفع بالذكر، سلك سبيل الطاعات التي تؤدي إلى ثواب الله، فعدل إلى قوله: {اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا} للتوفقة بين الفواصل من هذه السورة، إذ كانت مردفة بياء أو واو، ومنقطعة بالألف، فحصل بالمكانين المعنيان متفقين مع ملائمة الفواصل في الموضعين.
انتهى انتهى. {درة التنزيل صـ 1307 - 1311}