صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد: أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي كلاع، وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسخ العلم عبدت. وكذا روي عن عكرمة والضحاك وقتادة وابن إسحاق نحو هذا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذه أصنام كانت تعبد في زمن نوح، وروى ابن جرير ... عن محمد بن قيس يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى
العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال:
إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم). أقول: هذا المقام من المقامات التي تقتضي تحقيقا واسعا، فحفريات ما بين الرافدين قدمت لنا الكثير عن التاريخ القديم، وقدمت لنا فيما قدمت كلاما عن نوح، وتصورا عن الأصنام التي عبدتها أقوام بلاد الرافدين جيلا بعد جيل، ومن الملاحظ أن الصنم الذي على هيئة النسر كان يظهر مرة بعد مرة في عبادة الأجيال، ولا أستبعد أن يكون ابن عباس فهم من الآية أن لكل صنم شكلا، وهذه الأشكال وجدت في بلاد العرب وعبدت، لا أن عين الصنم الذي عبده قوم نوح عبدته العرب ويشهد لذلك بعض ما ذكره الألوسي.