"فقال يا معشر قريش . إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد . قد كان محمد فيكم غلاما حدثا , أرضاكم فيكم , وأصدقكم حديثا , وأعظمكم أمانة , حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب , وجاءكم بما جاءكم به قلتم:ساحر ! لا والله , ما هو بساحر . لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم . وقلتم كاهن ! لا والله ما هو بكاهن . قد رأينا الكهنة وتخالجهم , وسمعنا سجعهم . وقلتم:شاعر ! لا والله ما هو بشاعر . قد رأينا الشعر , وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه . وقلتم:مجنون ! لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه . يا معشر قريش , فانظروا في شأنكم , فإنه والله قد نزل بكم أمر عظيم ...".
والمطابقة تكاد تكون تامة - بين قوله وقول عتبة . وقد يكون هو حادثا واحدا نسب مرة إلى هذا ومرة إلى ذاك . ولكن لا نستبعد كذلك أن يتطابق قولان لرجلين من كبار قريش في موقفين متشابهين من مواقف حيرتهم تجاه هذا القرآن !
وأما موقف عتبة فقد سبقت حكايته في استعراضنا لسورة القلم في هذا الجزء . . وهو قريب من موقف الوليد والنضر تجاه محمد وتجاه القول الذي جاء به . .
فما كان قولهم:ساحر أو كاهن , إلا حيلة ماكرة أحيانا وشبهة مفضوحة أحيانا . والأمر أوضح من أن يلتبس عند أول تدبر وأول تفكير . وهو من ثم لا يحتاج إلى قسم بما يعلمون وما لا يعلمون:إنه لقول رسول كريم . وما هو بقول شاعر . ولا بقول كاهن . . إنما هو تنزيل من رب العالمين .
وتقرير أنه قول رسول كريم لا يعني أنه من إنشائه , ولكن المراد هنا أنه قول من نوع آخر . لا يقوله شاعر , ولا يقوله كاهن , إنما يقوله رسول , يرسل به من عند الله , فيحمله من هناك , من ذلك المصدر الذي أرسله .
من الآية 41 إلى الآية 50