فالكل مكشوف . مكشوف الجسد , مكشوف النفس , مكشوف الضمير , مكشوف العمل , مكشوف المصير . وتسقط جميع الأستار التي كانت تحجب الأسرار , وتتعرى النفوس تعري الأجساد , وتبرز الغيوب بروز الشهود . . ويتجرد الإنسان من حيطته ومن مكره ومن تدبيره ومن شعوره , ويفتضح منه ما كان حريصا على أن يستره حتى عن نفسه ! وما أقسى الفضيحة على الملأ . وما أخزاها على عيون الجموع ! أما عين الله فكل خافية مكشوفة لها في كل آن . ولكن لعل الإنسان لا يشعر بهذا حق الشعور , وهو مخدوع بستور الأرض . فها هو ذا يشعر به كاملا وهو مجرد في يوم القيامة . وكل شيء بارز في الكون كله . الأرض مدكوكة مسواة لا تحجب شيئا وراء نتوء ولا بروز . والسماء متشققة واهية لا تحجب وراءها شيئا , والأجسام معراة لا يسترها شيء , والنفوس كذلك مكشوفة ليس من دونها ستر وليس فيها سر !
ألا إنه لأمر عصيب . أعصب من دك الأرض والجبال , وأشد من تشقق السماء ! وقوف الإنسان عريان الجسد , عريان النفس , عريان المشاعر , عريان التاريخ , عريان العمل ما ظهر منه وما استتر . أمام تلك الحشود الهائلة من خلق الله , من الإنس والجن والملائكة , وتحت جلال الله وعرشه المرفوع فوق الجميع . .
وأن طبيعة الإنسان لمعقدة شديدة التعقيد ; ففي نفسه منحنيات شتى ودروب , تتخفى فيها نفسه وتتدسس بمشاعرها ونزواتها وهفواتها وخواطرها وأسرارها وخصوصياتها . وإن الإنسان ليصنع أشد مما تصنعه القوقعة الرخوة الهلامية حين تتعرض لوخزة إبرة , فتنطوي سريعا , وتنكمش داخل القوقعة , وتغلق على نفسها تماما . إن الإنسان ليصنع أشد من هذا حين يحس أن عينا تدسست عليه فكشفت منه شيئا مما يخفيه , وأن لمحة أصابت منه دربا خفيا أو منحنى سريا ! ويشعر بقدر عنيف من الألم الواخز حين يطلع عليه أحد في خلوة من خلواته الشعورية . .