فَهَؤُلَاءِ - الَّذِينَ يَخْدَعُونَ أَنْفُسَهُمْ وَيُخَادِعُونَ اللهَ تَعَالَى - عِنْدَهُمْ عِلْمٌ حَقِيقِيٌّ تَنْبَعِثُ عَنْهُ أَعْمَالُهُمْ ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فِي نَفْسِهِ ، وَهُوَ تَصْدِيقُهُمْ بِمَا فِي شَهَوَاتِهِمْ مِنَ الْمَصْلَحَةِ لِذَوَاتِهِمْ ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَ عِنْدَهُمُ اخْتِيَارَ مَا فِيهِ قَضَاؤُهَا وَالِانْصِبَابَ إِلَى مَا تَدْعُو إِلَيْهِ ، وَهُوَ مَا أَنْسَاهُمْ مَا كَانُوا خَزَّنُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ صُوَرِ الِاعْتِقَادَاتِ الدِّينِيَّةِ ، فَأَبْعَدَهُمْ ذَلِكَ عَنِ الِاعْتِقَادِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي يُعْتَدُّ بِهِ ، وَجَعَلَهُ رَسْمًا مَخْزُونًا فِي الْخَيَالِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْأَفْعَالِ ، يَدْعُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ ،
وَتُكَذِّبُهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ أَعْمَالُهُمْ وَأَحْوَالُهُمْ ، وَلِذَلِكَ نَسَبَهُمْ إِلَى الدَّعْوَى الْقَوْلِيَّةِ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِمْ مَا قَالَ فِي ذَلِكَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (2: 3) فَإِنَّهُ هُنَاكَ ذَكَرَ إِيمَانَهُمْ وَقَفَّى عَلَيْهِ بِذِكْرِ الْعَمَلِ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ ، وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ مَا الْإِيمَانُ الَّذِي يَعْتَدُّ بِهِ الْقُرْآنُ ، وَهُوَ يَظْهَرُ لِمَنْ يَقْرَأُ لِيُحَاسِبَ بِهِ نَفْسَهُ ، وَيَزِنُ إِيمَانَهُ وَأَعْمَالَهُ بِمَا حَكَمَ بِهِ عَلَى إِيمَانِ مَنْ قَبْلَهُ وَأَعْمَالِهِمْ ، لَا لِمَنْ يَقْرَؤُهُ عَلَى أَنَّهُ قِصَّةٌ تَارِيخِيَّةٌ مَاتَ مَنْ يَحْكِي عَنْهُمْ ، وَاسْتَثْنَى الْقَارِئُ نَفْسَهُ مِمَّنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ فِيهَا .