وَمِنَ الْعُلُومِ مَا يُلَاحِظُ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ عِنْدَهُ ، فَهُوَ صُورَةٌ عِنْدَ النَّفْسِ تَسْتَحْضِرُهُ عِنْدَ الْمُنَاسَبَةِ وَيَغِيبُ عَنْهَا عِنْدَ عَدَمِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْهُ الْقَلْبُ وَلَمْ يَمْتَزِجْ بِالنَّفْسِ فَيَصِيرَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهَا الرَّاسِخَةِ الَّتِي لَا تُزَايِلُهَا (وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْعِلْمِ يَتَعَلَّقُ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ النَّوْعُ الْأَوَّلُ ، كَعِلْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الَّذِي يُحَصِّلُهُ طَلَبَةُ الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ مَثَلًا ، وَكَعِلْمِ مَزَايَا الْفَضِيلَةِ وَرَزَايَا الرَّذِيلَةِ الَّذِي يُخَزِّنُهُ طُلَّابُ عُلُومِ الْآدَابِ وَالْأَخْلَاقِ ، وَالنُّظَّارُ فِي كُتُبِ الْأَوَاخِرِ وَالْأَوَائِلِ ، لِتَعْزِيزِ مَادَّةِ الْعِلْمِ ، وَتَوْسِيعِ مَجَالِ الْقَوْلِ ، وَتَوْفِيرِ الْقُدْرَةِ عَلَى حُسْنِ الْمَنْطِقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَهَذَا الْعِلْمُ كَالْأَدَاةِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنِ الْعَامِلِ ، يَبْقَى فِي خِزَانَةِ الْخَيَالِ ، تَسْتَحْضِرُهُ النَّفْسُ عِنْدَمَا تَدْفَعُهَا الشَّهْوَةُ إِلَى تَزْيِينِ
ظَاهِرِ الْمَقَالِ ، لَا إِلَى تَحْسِينِ بَاطِنِ الْحَالِ ، وَلَنْ يَكُونَ لِهَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْعِلْمِ أَدْنَى أَثَرٍ فِي عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ صَاحِبِهِ وَتَسْمِيَتُهُ عِلْمًا ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي تَعْرِيفِهِ الْعَامِّ:"صُورَةٌ مِنَ الشَّيْءِ حَاضِرَةٌ عِنْدَ النَّفْسِ"وَعِنْدَ التَّدْقِيقِ لَا تَرْتَفِعُ بِهِ مَنْزِلَتُهُ إِلَى أَنْ يَنْدَرِجَ فِي مَعْنَى الْعِلْمِ (الْحَقِيقِيِّ) فَاسْتِحْضَارُ هَذَا الْعِلْمِ كَاسْتِحْضَارِ الْكِتَابِ وَاللَّوْحِ وَإِدْرَاكِ مَا فِيهِ ، ثُمَّ الذُّهُولِ عَنْهُ وَنِسْيَانِهِ عِنْدَ الِاشْتِغَالِ بِشَيْءٍ آخَرَ .