وإذا كان كذلك كان حكم الإشارة إلى غائب غير كلام مثلَ الإشارة إلى الكلام فِي جواز الوجهين لكثرة كليهما أيضاً ، ففي القرآن: {فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه} [القصص: 15] فإذا كان الوجهان سواء كان ذلك الاستعمال مجالاً لتسابق البلغاء ومراعاة مقتضيات الأحوال ، ونحن قد رأيناهم يتخيرون فِي مواقع الإتيان باسم الإشارة ما هو أشد مناسبة لذلك المقام فدلنا على أنهم يعرِّفون مخاطبيهم بأغراض لا قبل لتعرفها إلا إذا كان الاستعمال سواء فِي أصل اللغة ليكون الترجيح لأحد الاستعمالين لا على معنى ، مثل زيادة التنبيه فِي اسم الإشارة البعيد كما هنا ، وكما قال خُفاف بن نَدْبة:
أقول لَه والرمحُ يأطر مَتْنَه...
تأمل خُفَافاً إِنني أَنَا ذلك
وقد يؤتى بالقريب لإظهار قلة الاكتراث كقول قيس بن الخَطِيم فِي"الحماسة":
متَى يأتِ هذَا الموتُ لا يلفِ حاجة...
لنفسيَ إلا قد قضيتُ قضاءها
فلا جرم أن كانت الإشارة فِي الآية باستعمال اسم الإشارة للبعيد لإظهار رفعة شأن هذا القرآن لجعله بعيد المنزلة.
وقد شاع فِي الكلام البليغ تمثيل الأمر الشريف بالشيء المرفوع فِي عزة المنال لأن الشيء النفيس عزيز على أهله فمن العادة أن يجعلوه فِي المرتفعات صوناً له عن الدروس وتناول كثرة الأيدي والابتذال ، فالكتاب هنا لما ذكر فِي مقام التحدي بمعارضته بما دلت عليه حروف التهجي فِي {الم} [البقرة: 1] كان كالشيء العزيز المنال بالنسبة إلى تناولهم إياه بالمعارضة أو لأنه لصدق معانيه ونفع إرشاده بعيد عمن يتناوله بهُجر القول كقولهم: {افتراه} [يونس: 38] وقولهم: {أساطير الأولين} [الأنعام: 25] .
ولا يرد على هذا قوله: {وهذا كتاب أنزلناه} [الأنعام: 92] فذلك للإشارة إلى كتاب بين يدي أهله لترغيبهم فِي العكوف عليه والإتعاظ بأوامره ونواهيه.