وَأَقُولُ: إِنَّ مُرَادَهُ أَنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ مَثَلٌ لِمَنْ تَمَكَّنَ الْكُفْرُ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى فَقَدُوا الدَّوَاعِيَ وَالْأَسْبَابَ الَّتِي تَعْطِفُهُمْ إِلَى النَّظَرِ وَالْفِكْرِ فِي أَدِلَّةِ الْإِيمَانِ وَمَحَاسِنِهِ (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) فَلَا يَدْخُلُهَا غَيْرُ مَا رَسَخَ فِيهَا ، (وَعَلَى سَمْعِهِمْ) فَلَا يَسْمَعُونَ آيَاتِ اللهِ الْمُنَزَّلَةَ سَمَاعَ تَأَمُّلٍ وَتَفَقُّهٍ ، وَقَوْلُهُ: (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ (خَتَمَ) وَالْغِشَاوَةُ: مَا يُغَطَّى بِهِ الشَّيْءُ ، وَمَعْنَى هَذِهِ الْمَادَّةِ: غَ شِ يَ - التَّغْطِيَةُ . وَالْمُرَادُ: أَنَّ أَبْصَارَهُمْ لَا تُدْرِكُ آيَاتِ اللهِ الْمُبْصِرَةَ الدَّالَّةَ عَلَى الْإِيمَانِ ، فَكُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لَا يُرْجَى إِيمَانُهُ ، وَقَدْ أُسْنِدَ الْخَتْمُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِسُنَّتِهِ تَعَالَى فِي أَمْثَالِهِمْ ، وَعُبِّرَ عَنْهُ بِالْمَاضِي لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ، وَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَجْبُورُونَ عَلَى الْكُفْرِ ، وَلَا عَلَى مَنْعِ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ مِنْهُ بِالْقَهْرِ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَمْثِيلٌ لِسُنَّتِهِ تَعَالَى فِي تَأْثِيرِ تَمَرُّنِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ وَأَعْمَالِهِ فِي قُلُوبِهِمْ بِأَنَّهُ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا