يا قوم كونوا في هذا الأمر رؤساء ولا تكونوا فيه أذناباً.
فإذا كان العدل مكرمة وهو فرض، والإحسان مكرمة وهو مع ذلك فرض.
وقد يحتمل معنى الحديث في الفرق بين الرجال والنساء، أن الرجال لم يحسن منهم الختان إلا لأجل الأمر به.
فأما المرأة فإن الختان يحسن منها الأمر وغيره.
وهو أن لا يقف الزوج على ما يكره وينفر طبعه عنها فيكون كذلك قد تركا إحسان القيام على نفسها، أم تركه القيم عليها فيها، وخالفا ما هو من الأدب إلى غيره والله أعلم.
فإن قيل: الختان استقصاص، فما أنكرت أنه كقص الشارب وتقليم الأظفار، قيل له: أنه ليس مثلهما، لأن الختان إبانه عضواً لا يؤمن أن يكون سبباً للتلف، وما كان من الأعضاء فهذه الصفة.
فأما أن يكون مستحق القطع كيد السارق، ويد القاطع.
وأما أن يكون محرم القطع، فأما أن يجوز قطعه لا عن حق واجب فلا.
ولما كان الختان بالصفة التي ذكرت وكان مأموراً به، دل ذلك على أنه فرض لا خيار بين فعله وتركه.
وأما تقليم الظفر وقص الشارب فإنه زينة لا يخشى فيها التلف بحال.
فكان كإزالة الدرن عن البدن والله أعلم.
وأيضاً فإن الأمر بانتقاص ما لا يستخلف من البدن شرعاً وتقيداً، لا يكون إلا عرضاً كقطع السرة.
وما يقرر هذا الاعتدال أن المستقصات أربعة مستخلفان: كالظفر والشعر وغير مستخلفين كالذي يقطع من السرة، وبان من القلفة، ثم استوى حكم المستخلفين.
فكذلك ينبغي أن يستوي حكم غير المستخلفين، والله أعلم.
وأيضاً فإن بقيت الحشفة في الفرج قد تعلقت به أحكام كثيرة نحو إيجاب الغسل، وإفساد الصوم، وإفساد الإحرام، ونفور المهر المسمى، وإيجاب غير المسمى، وتحريم الزينة، ورفع حرمة الطلاق، وإيجاب الحد في الحرام.
فدل ذلك على أن الحشفة ليست عضواً باطناً، ولكنها عضو ظاهر في الحكم، فإن كل فعل يعلق من أحكام الشريعة لم يكن ما وقع به بعد ذلك الفعل باطناً، ولكنه يكون ظاهراً.
وإذا كان كذلك، فمعلوم أن الحشفة مع كونها عورة، حقها أن يستوفى غلاف يحجبها.
فلو لم يكن إظهار ما يقطع، ما يواريها عنها واجباً، للزمها حكم البطون وذلك غير جائز.
فصح أنها كانت محلاً للأحكام المعلقة لأنها كالظاهرة بلزوم قطع التواري عنها، كما أن المفلس في حكم المعدوم باستحقاق الغرماء ماله.
والنوم في حكم الحدث ما رجا به الإعطاء حتى يتبشر الحدث من النائم، والله أعلم.