وفرعون كان في مصر - وهو فرعون موسى - ومن قبله لا يذكر عنهم تفصيل . والمؤتفكات قرى لوط المدمرة التي اتبعت الإفك أو التي انقلبت , فاللفظ يعني هذا وهذا . ويجمل السياق فعال هؤلاء جميعا , فيقول عنهم انهم جاءوا (بالخاطئة) أي بالفعلة الخاطئة . . من الخطيئة . . (فعصوا رسول ربهم) . . وهم عصوا رسلا متعددين ; ولكن حقيقتهم واحدة , ورسالتهم في صميمها واحدة . فهم إذن رسول واحد , يمثل حقيقة واحدة - وذلك من بدائع الإشارات القرآنية الموحية - وفي إجمال يذكر مصيرهم في تعبير يلقي الهول والحسم حسب جو السورة: (فأخذهم أخذة رابية) . . والرابية العالية الغامرة الطامرة . لتناسب (الطاغية) التي أخذت ثمود (والعاتية) التي أخذت عادا , وتناسب جو الهول والرعب في السياق بدون تفصيل ولا تطويل !
ثم يرسم مشهد الطوفان والسفينة الجارية , مشيرا بهذا المشهد إلى مصرع قوم نوح حين كذبوا . وممتنا على البشر بنجاة أصولهم التي انبثقوا منها , ثم لم يشكروا ولم يعتبروا بتلك الآية الكبرى:
إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية , لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية . .
ومشهد طغيان الماء ومشهد الجارية على الماء الطاغي , كلاهما يتناسق مع مشاهد السورة وظلالها . وجرس الجارية وواعية يتمشى كذلك مع إيقاع القافية . وهذه اللمسة (لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية) تلمس القلوب الخامدة والآذان البليدة , التي تكذب بعد كل ما سبق من النذر وكل ما سبق من المصائر , وكل ما سبق من الآيات , وكل ما سبق من العظات , وكل ما سبق من آلاء الله ونعمه على أصول هؤلاء الغافلين !
من الآية 13 إلى الآية 16
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16)