{فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} أي: بالمشاهدات والمغيَّبات . وهذا القسم - كما قال الرازيّ - يعم جميع الأشياء على الشمول ، لأنها لا تخرج من قسمين: مبصر وغير مبصر ، فشمل الخالق والخلق ، والدنيا والآخرة ، والعالم العلويّ والسفليّ ، وهكذا . وتقدم في الواقعة الكلام على كلمة لا أقسم ، فتذكر .
{إِنَّهُ} أي: القرآن {لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، يبلغه عن الله تعالى ، لأن الرسول لا يبلغ عن نفسه .
{وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ} أي: كما تزعمون ، فإن بين أسلوبه وحقائقه ، وبين وزن الشعلة وخيالاته ، بعد المشرقين .
{قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ} تصدقون بما ظهر صدقه وبرهانه ، عناداً وعتواً . والقلة كناية عن النفي والعدم . ونصب {قَلِيلاً} على أنه نعت لمصدر ، أو زمان مقدر ، أي: إيماناً وزماناً . والناصب {تُؤْمِنُونَ} أو {تَذَكَّرُونَ} و {مَا} زائدة ، هذا ما قاله ابن عادل ، وقال ابن عطية: يحتمل أن تكون نافية ومصدرية .
{وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ} أي: كما تدعون أخرى بأنه من سجع الكهان {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} أي: تتعظون وتعتبرون . قيل: نفى الإيمان في الأول ، والذكرى في الثاني ؛ لأن عدم مشابهة القرآن للشعر أمر بيّن ، لا ينكره إلا معاند . فلا عذر لقائله في ترك الإيمان ، وهو أكفر من حمار . وأما مباينته للكهانة ، فيتوقف على تذكر ما ؛ لأن الكاهن يأخذ جُعلاً ، ويجيب عما سئل عنه ويتكلف السجع ، ويكذب كثيراً ، وإن التبس على الحمقى لإخباره عن بعض المغيبات بكلام منثور ، فتأمل .
{تَنزِيل} أي: هو تنزيل {مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} أي: ممن رباهم بصنوف نعمه ، ومنها ما نزله وأوحاه ليهتدوا به إلى سبل السعادة ، ومناهج الفلاح .