فَلَو كَانَت صحبته فِي الدُّنْيَا ثمَّ تركت الدُّنْيَا كلهَا وآثرت صحبته لَكَانَ الَّذِي تركت حَقِيرًا عِنْد الَّذِي نلْت فَكيف الصُّحْبَة فِي الْجنَّة مَعَ دوَام الْملك فِي جوَار الله وَجوَار أحبابه مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أولئك رَفِيقًا فِي الْحبرَة وَالنعْمَة وَالسُّرُور الدَّائِم الأبدي
فراجع نَفسك يَا أخي وَانْظُر مَا فِي هَذِه المخادعة وَمَا الَّذِي قد غلبك وَغلب يقينك أوْ مَا هَذِه الخدعة الَّتِي دخلت عَلَيْك
وفكر فِيمَا تصير إليه من موازنة عَمَلك وسؤال الله إياك عَن مَثَاقِيل الذَّر والخردل وَمَا فَوق ذَلِك وَدون ذَلِك
وفكر فِي سرعَة انْقِضَاء الأجل وَعَلَيْك بقصر الأمل فَلَا تُفَارِقهُ وَلَا يفارقك طرفَة عين لَا فِي ليل وَلَا فِي نَهَار
يَا سُبْحَانَ الله كَيفَ لَا تدهش وَلَا يذهب عقلك تَعَجبا من أمرك
فراجع أمرك وَانْظُر مَا يُرَاد مِنْك فَإِنَّمَا يُرَاد مِنْك إذا عملت عملا أن تُرِيدُ بِهِ وَجه الله أوْ لَا تعمله فَهَل تكون أقل من هَذَا هَذَا فِي نوافلك وأما فرائضك فَإنَّك غير مَعْذُور فِي تَضْييع مِثْقَال ذرة مِنْهَا حَتَّى تعْمل بِمَا أمرت بِهِ وتنتهي عَمَّا نهيت عَنهُ وَمَا كلفت أمرا لَا تُطِيقهُ وَمَا كلفت مَا لم يُكَلف بِهِ غَيْرك
وَيُرَاد مِنْك مَعَ ذَلِك أن تُرِيدُ للنَّاس الْخَيْر وأن لم ترد لَهُم الْخَيْر فَلَا ترد لَهُم الشَّرّ فَهَل تكون أقل من هَذَا أوْ ترْضى لنَفسك أن النَّاس يُرِيدُونَ لَك الْخَيْر وأنت تُرِيدُ لَهُم الشَّرّ
وَيُرَاد مِنْك ألا تجْعَل نَفسك فَوق النَّاس فِي نَفسك لَا بقلبك وَلَا بلسانك أفتكون أقل من هَذَا وَقد دعيت أنت وَالنَّاس إلى هَذَا لَا أنت وَحدك.
(المخادعون المتاجرون بِالدّينِ)
وَقَالَ أخبرني إن أنت خَالَفت هَذَا الأمر وأردت بعملك غير الله وأردت أن ترفع نَفسك فَوق النَّاس أوْ لم تحب لَهُم مَا تحب لنَفسك أتدرك أوْ تنَال مَا تَأمل من ذَلِك
أولست تعلم أنك أبعد مَا تكون من الله إذا كنت كَذَلِك
وَمَعَ هَذَا لَا أراك تطلب الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم فتنتفع بهَا وترتفق بهَا فِي أيامك هَذِه وإنما تطلب بذلك الثَّنَاء والجاه وَالْقدر وَقد اخْتَرْت سيرة