وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ - {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} . - {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
هذه ست حقائق أساسية لفهم طبيعة الإسلام ومكانه بين الأديان، من جهة، ولإبراز أصالته وعراقته واتصال سنده وصحته، من جهة ثانية، ولتوجيه الأنظار إلى وجه الحكمة فيما سيؤول إليه الأمر عما قريب، من وقوع الاختيار الإلهي على البيت الحرام، وجعله دون سواه قبلة خالصة للمسلمين دون غيرهم من جهة ثالثة.
والآن نقف وقفة قصيرة أمام بعض الآيات البينات الواردة في هذا المقام.
فهذه آية تشير من قريب إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يرشح من بين عباده للمقامات العليا إلا من برهنوا على أهليتهم لها، بأداء التكاليف التي كلفهم بها على وجهها، وجوازهم لامتحان الابتلاء الإلهي بنجاح تام، وذلك قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} . أي قدوة يقتدي به الأنبياء فمن دونهم، ويناسبه قوله تعالى في مكان آخر: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} ، {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} ، {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} .
وهذه آية أخرى تشير إلى أن مجرد الانتساب إلى سلف صالح دون قيام المنتسب لهم بالعمل الصالح لا ينفع صاحبه في قليل ولا
كثير، إذ العبرة بالعمل قبل النسب، وذلك قوله تعالى حكاية عن إبراهيم الخليل {قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} . فأجابه الحق سبحانه وتعالى: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} . وفي هذا المعنى قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} . {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} . وقوله صلى الله عليه وسلم: (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) .