فأنت طلاق والطلاق عزيمة ثلاث ، ومن يخرق أعق وأظلم
فقال: ماذا يلزمه إذا رفع ال (ثلاث) وإذا نصبها؟ قال أبو يوسف: فقلت: هذه مسألة نحوية فقهية ، ولا آمن من الخطأ إن قلت فيها برأي ، فأتيت الكسائي ، وهو في فراشه ، فسألته ، فقال: إن رفع ثلاثا طلقت واحدة ، لأنه قال:"أنت طلاق"ثم أخبر أن الطلاق التام ثلاث وإن نصبها طلقت ثلاثا ، لأن معناه: أنت طالق ثلاثا ، وما بينهما جملة معترضة. فكتبت بذلك إلى الرشيد ، فأرسل إليّ بجوائز ، فوجهت بها إلى الكسائي.
وأقول: إن الصواب أن كلا من الرفع والنصب محتمل لوقوع الثلاث ولوقوع الواحدة ، أما الرفع فلأن (أل) في الطلاق إما لمجاز الجنس كما تقول:"زيد الرجل"أي هو الرجل المعتد به ، وإما للعهد الذكري ، مثلها في قوله تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ، فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا) ، أي وهذا الطلاق المذكور عزيمة ثلاث ولا تكون للجنس الحقيقي ، لئلا يلزم الإخبار عن العام بالخاص ، كما يقال:"الحيوان إنسان"وذلك باطل ، إذ ليس كل حيوان إنسانا ، ولا كل طلاق عزيمة ولا ثلاثا فعلى العهدية يقع الثلاث ، وعلى الجنسية يقع واحدة كما قال الكسائي وأما النصب: فلأنه محتمل لأن يكون على المفعول المطلق ، وحينئذ يقتضي وقوع الطلاق الثلاث ، إذ المعنى فأنت طالق ثلاثا ، ثم اعترض بينهما بقوله:"والطلاق عزيمة"، ولأن يكون حالا من الضمير المستتر في عزيمة ، وحينئذ لا يلزم وقوع الثلاث ، لأن المعنى: والطلاق عزيمة إذا وقع ثلاثا ، فإنما يقع ما نواه هذا ما يقتضيه معنى اللفظ ، مع قطع النظر عن شي ء آخر وأما الذي أراده هذا الشاعر المعين فهو الثلاث ، لقوله بعد:
فبيني بها إن كنت غير رفيقة وما لامرئ بعد الثلاث مقدّم
[سورة المزمل (73) : الآيات 17 إلى 18]