[79] والثالث: وهو أن العقلاء يجزمون بأن البناء المعين في الدار والمدرسة لا يحصل إلا من إنسان يتولى إصلاح حال ذلك البناء [فأما أن يحدث ذلك البناء] [1] من غير أن يتولاه إنسان، فذلك مستبعد عند الكل، حتى إن إنسانا لو ادعى أنه غاب بالأمس عن الصحراء المعينة، ثم عاد إليها في اليوم الثاني، فوجد الدور والبساتين قد حدثت من غير أن يحضر هناك إنسان يتولى إصلاحها، فإن جمهور العقلاء يكذبون هذا القول، فهذا الجزم حاصل في عقول الجمهور، ثم إن هذا الجزم باطل عند المتكلمين فإنهم يجوزون أن يخلق الله تعالى ذلك البناء ابتداء من غير واسطة إنسان، ويجوزون أيضا أن ملكا من الملائكة تولى إصلاحه، أو واحدا من الجن والشياطين تولى إصلاحه، فثبت بهذا: أن المتكلمين أطبقوا على أنه ليس كل ما يحكم به جمهور الخلق بحسب ما لهم من الفطرة الأصلية والغريزة السليمة، وجب أن يكون ذلك الحكم حقا، وإذا ثبت هذا وثبت أنه لا تعويل لكم على صحة قولكم: «إن الحادث لا بد له من محدث» إلا على أن جمهور الخلق يحكمون بصحة هذه المقدمة بمقتضى الفطرة الأصلية، ثبت أن هذه المقدمة ضعيفة.
السؤال الرابع: أن نقول: إن دل ما ذكرتم على أن العلم بافتقار الممكن والمحدث إلى المؤثر علم ضروري، فههنا وجوه تدل على أن هذا العلم ليس بضروري وبيانه من وجوه:
الأول: إنا إذا عرضنا على عقولنا: أن الواحد نصف الاثنين، وعرضنا أيضا على عقولنا: أن الممكن لا بدّ له من مرجح، وجدنا حكم العقول بالقضية الأولى أظهر من حكمها بالثانية والتفاوت بين الحكمين في القوة يدل على أن احتمال النقيض حاصل في المرجوحية، وذلك يدل على أن هذه المرجوحية ظنية لا يقينية.
فإن قيل: لا نسلم وقوع التفاوت في جزم العقل بهاتين القضيتين، فما الدليل عليه؟ سلمنا أنه قد يقع التفاوت بين هذين الحكمين في بعض
(1) من (س)