[77] الثاني: إنا إذا عقلنا الذوات. فإن عقلنا بعد ذلك: كونه واجبا لذاته، بقي المعتقد الأول. وإن اعتقدنا كونه ممكنا [لذاته] [1] زال اعتقاد كونه واجبا لذاته، ولكن لا يزول اعتقاد كونه ذاتا [فثبت أن كونه ذاتا] [2] قدر مشترك بين الواجب والممكن والمادي [3] والمجرد، إذا ثبت هذا فنقول: لا شك أن ذات واجب [4] الوجود ممتازة عن سائر الذوات بقيد من القيود، [وكذلك ذات العقل ممتازة عن ذات الجسم بقيد من القيود] [5] إذ لو لم يحصل أمر من الأمور، به يحصل الامتياز، لما حصل الامتياز البتة، إذا ثبت هذا فنقول:
ثبت أن الذوات من حيث إنها ذوات أمور متساوية، ثم إن كل واحد منها اختص بأمر لأجله امتاز عن غيره، فاختصاص كل واحد منها بذلك المميز، إن كان لأمر آخر لزم إما الدور وإما التسلسل وهما محالان، فوجب أن يكون ذلك الاختصاص حاصلا، لا لأمر ولا لمرجح، فثبت بهذا الدليل: وقوع الممكن لا عن مرجح. وأيضا: فهو قول قال به طائفة عظيمة من العقلاء. وكل ذلك يبطل القول بأن افتقار الممكن إلى المرجح مقدمة معلومة بالبديهة.
السؤال الثالث: إنا كما رأينا أن أكثر العقلاء أطبقوا على أن الحادث لا بد له من محدث، والبناء لا بد له من باني، فكذلك نراهم مطبقين على مقدمات أخرى، مع أن المتكلمين يزعمون أنها [غير] [6] صحيحة.
فالأول: إنهم كما استبعدوا حدوث البناء من غير باني، فكذلك استبعدوا حدوث البناء من غير مادة سابقة، مثل أن يحدث البناء من غير سبق تراب ولا حجر ولا خشب، فلو صار جزم العقلاء بافتقار البناء إلى الفاعل حجة [7] [في صحة هذه المقدمة، وجب أن يكون] جزمهم بافتقار البناء إلى مادة سابقة حجة في صحة هذه المقدمة، إلا أن المتكلمين يزعمون أنه لا يحتاج حدوث الشيء إلى مادة سابقة وذلك يدل على أن إطباق جمهور العقلاء بحكم
(1) من (ز) .
(2) من (س) .
(3) والمفارق (ز) .
(4) إن ذات واجب (س) .
(5) من (س) .
(6) من (س) .
(7) حجة لصار جزمهم الخ (س) .