[49] والأفكار مقهورة والخواطر مزجورة، وحقيقة الحق لا يمكن الوصول إليها بخطرات العقول والأفكار، وكبرياء الإلهية يمتنع الوقوف عليها بأجنحة الأقيسة والأنظار. فظهر أنه لا حاصل عند العقول إلا الإقرار بإثبات الكمال المطلق له، وتنزيه النقائص بأسرها عنه، على سبيل الإجمال، أما سبيل التفصيل فذاك ليس من شأن القوة العقلية البشرية.
الحجة الثالثة في هذا الباب: إن العلوم إما تصورية وإما تصديقية. أما التصويرية فنحن نجد من أنفسنا وجدانا بديهيا، بعد الاختبار التام والاستقراء الكامل أنه لا يمكننا أن نشير بعقولنا ووهمنا وخيالنا إلا إلى أحد أنواع أربعة من التصورات.
فأحدها: الماهيات التي ادركناها بأحد الحواس الخمس، وهي: المبصرات، والمسموعات، والمشمومات، والمذوقات، والملموسات.
وثانيها: الماهيات التي ندركها من نفوسنا إدراكا ضروريا كالألم واللذة والجوع والشبع والفرح والغضب وأمثالها.
وثالثها: الماهيات التي ندركها بحكم فطرة عقولنا كتصورنا (لمعنى) [1] الوجود والعدم والوحدة والكثرة والوجوب والإمكان والامتناع.
والنوع الرابع: الماهيات التي يركبها العقل والخيال من (هذه) [2] البسائط، أما تركيب الخيال فهو كما إذا تصورنا بحرا من زئبق وإنسانا له ألف رأس (فإنا بحس البصر أدركنا البحر، وأدركنا الزئبق، فالخيال يركب صورة البحر مع صورة الزئبق) وكذا القول في سائر الأمثلة، وأما تركيب العقل فهو أنا إذا قلنا: شريك الاله ممتنع الوجود، فما لم يتصور العقل (معنى) [3] شريك الإله يمتنع أن يحكم عليه بالامتناع، ثم إن العقل إنما يمكنه تصور معنى شريك الإله، لأنه قد تصور معنى الشريك في بعض المواضع، وتصور أيضا معنى الإله في
(1) من (ز) .
(2) من (ز) .
(3) من (س) .