والتعبير عنهم باسم الفاعل بعد ذكرهم بالموصول والصلة الفعلية المنبئة عن الحدوث للإيذان بثباتهم على الإيمان بعد ازدياده، ورسوخهم في ذلك. والمراد نفي الارتياب عنهم في الدين، أو في أن عدة خزنة جهنم تسعة عشر، ولا ارتياب في الحقيقة من المؤمنين، ولكنه من باب التعريض لغيرهم ممن في قلبه شك من المنافقين.
والمعنى: أي ولا يشك أهل التوراة والإنجيل والمؤمنون بالله من أمّة محمد - صلى الله عليه وسلم - في حقّية ذلك العدد.
{وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} ؛ أي: شك أو نفاق، فإن كلًّا منهما من الأمراض الباطنة، فيكون إخبارًا بما سيكون في المدينة بعد الهجرة، إذ الاتّفاق إنما حدث بالمدينة، وكان أهل مكة إما مؤمنًا حقًا وإما مكذّبًا وإمّا شاكًّا. {وَالْكَافِرُونَ} المصرّون على التكذيب من أهل مكة وغيرهم.
فَإِنْ قُلْتَ: كيف يجوز أن يكون قولهم هذا مقصودًا لله تعالى؟
قلت: اللام ليست على حقيقتها بل للعاقبة، فلا إشكال.
{مَاذَا} مجموع الكلمتين، اسم استفهام، فـ {ذا} ملغاة؛ أي: أي شيء {أَرَادَ اللَّهُ} سبحانه. وهذا الاسم المركب مفعول مقدم؛ أي: أي شيء أراد الله {بِهَذَا} العدد القليل {مَثَلًا} حال من هذا؛ أي: أي شيء أراد الله بهذا العدد القليل المستغرب حال كونه مشابهًا للمثل في غرابته، ويصح أن تكون {ما} مبتدأ، و {ذا} موصولًا خبره، و {أَرَادَ اللَّهُ} صلة الموصول، و {مَثَلًا} تمييز لهذا؛ أي: ما الذي أراده الله سبحانه بهذا العدد القليل، من جهة كونه مثلًا؛ أي: شبيهًا بالمثل في غرابته. فإطلاق المثل على هذا العدد على سبيل الاستعارة، حيث شبهوه بالمثل المضروب، وهو القول السائر في الغرابة، حيث لم يكن عقدًا تامًّا كعشرين أو ثلاثين. والاستفهام لإنكار أنّه من عند الله بناءً على أنّه لو كان من عنده تعالى لما جاء ناقصًا. وإفراد قولهم هذا بالتعليل مع كونه من باب فتنتهم للإشعار باستقلاله في الشناعة.
والمعنى: أي وليقول الذين في قلوبهم شك في صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - والقاطعون بكذبه: ما الذي أراد الله بهذا العدد القليل المستغرب استغراب المثل؟