24 -ثم ذكر ما استنبطه من الترهات والأباطيل بقوله: {فَقَالَ} عقيب توليه عن الحق: {إِنْ} نافية بمعنى ما، ولذا أورد {إلّا} بعدها؛ أي: ما {هَذَا} الذي يقوله محمد - صلى الله عليه وسلم - . يعني: القرآن {إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} ؛ أي: أمور تخييلية لا حقائق لها، يروى ويتعلم وينقل من الغير، وليس هو من سحره بنفسه. قال أبو حيان: ومعنى {إِلَّا سِحْرٌ} ؛ أي: إلا شبيه بالسحر انتهى. يقال: أثرت الحديث آثره أثرًا إذا حدّثت به عن قوم في آثارهم؛ أي: بعدما ماتوا هذا هو الأصل، ثم كان بمعنى الرواية عمن كان، وحديث مأثور؛ أي: منقول ينقله خلف عن سلف، وأدعية مأثورة؛ أي: مروية عن الأكابر. وفي تعلم السحر لحكمة رخصة، واعتقاد حقِّيتِهِ والعمل به كفر، كما قيل:
عَرَفْتُ الشَّرَّ لا للشَرِّ لَكِنّي لِتَوقِّيهِ ... ومَنْ لَمْ يَعْرِفِ الشَّرَّ مِنَ الناسِ يَقَعْ فِيهِ
والمعنى: أي فقال ما هذا القرآن إلا سحر ينقله محمد عن غيره ممن كان قبله من السحرة كمسيلمة وأهل بابل، ويحكيه عنهم.
25 -ثم أكد ما سلف بقوله: {إِنْ هَذَا} ؛ أي: ما هذا الذي يقوله محمد {إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} تأكيد لما قبله، ولذا أخليَ عن العاطف. قاله تمرّدًا وعنادًا لا على سبيل الاعتقاد، لما روي قبل: أنّه أقر بأن القرآن ليس من كلام الإنس والجن، وأراد بالبشر يسارًا وجبرًا وأبا فكيهة. أما إلأولان فكانا عبدين من بلاد فارس، وكانا بمكة، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجلس عندهما. وأما أبو فكيهة فكان غلامًا روميًّا، يتردد إلى مكة من طرف مسيلمة الكذّاب في اليمامة.