والمعنى: أي إنه ملتقط من كلام غيره، وليس من كلام الله كما يدعي. ولو صح ما قال لأمكن غيره أن يقول مثله أو يعارضه بأحسن منه، ففي العرب ذوو فصاحة وذرابة لسان، وفيهم الخطباء والمقاويل الذين لا يجارون ولا يبارون، ولم يعلم أن أحدًا من أهل الزكانة والمعرفة سولت له نفسه أن يعارضه بل التجؤوا إلى السيف والسنان دون المعارضة بالحجة والبرهان. وقد رووا في هذا البال مضحكات أغلبها لا يصح؛ لأنهم وهم المقاويل ذوو اللسن وقوة العارضة لا ينبغي أن ينسب إلى أحدهم مثل هذا الهذر، كقول من نسب إليه أنه عارض سورة الفيل، فقال: الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب طويل ومشفر وتيل إلخ.
قال أبو حيان: وقيل: ثم نظر فيما يحتج به للقرآن، فرأى ما فيه من الإعجاز والإعلام بمرتبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ودام نظره في ذلك ثم عبس وبسر دلالة على تأنيه وتمهله في تأمله، إذ بين ذلك تراخ وتباعد. وكان العطف في {وَبسَرَ} وفي {وَاسْتَكْبَرَ} بالواو؛ لأن البسور قريب من العبوس فهو كأنّه على سبيل التوكيد، والاستكبار يظهر أنه سبب للإدبار؛ إذ الاستكبار معنى في القلب، والإدبار حقيقة من فعل الجسم، فهما سبب ومسبِّب فلا يعطف بـ {ثم} ، وقدم المسبِّب على السبب؛ لأنّه الظاهر للعين، وناسب العطف بالواو. وكان العطف في {فَقَالَ} بالفاء: دلالة على التعقيب؛ لأنه لما خطر بباله هذا القول بعد تطلبه لم يتمالك أن نطق به من غير تمهل. ومعنى {يُؤْثَرُ} : يروى وينقل. قال الشاعر:
لَقُلْتُ مِنَ القَوْلِ مَا لَا يَزَا ... لُ يُؤْثَرُ عَنِّيْ بِهِ الْمُسْنَدُ