ولقائلٍ أن يقولَ: قد يَنْقَدحُ هذا الوجهُ بإشكالٍ قويٍّ: وهو أنَّه يَلْزَمُ منه تكرارُ المعنى الواحدِ: وذلك أنَّ قولَه:"قُمْ نِصْف الليلِ إلاَّ قليلاً"بمعنى: انقُصْ مِنْ الليل ؛ لأنَّ ذلك القليل هو بمعنى النقصانِ ، وأنت إذا قلت: قُمْ نصفَ الليلِ إلاَّ القليلَ مِن النصفِ ، وقُمْ نصفَ الليل ، أو انقُصْ من النصفِ ، وجدتَهما بمعنىً . وفيه دقةٌ فتأمَّلْه ، ولم يَذْكُرِ الحوفيُّ غيرَ هذا الوجهِ المتقدِّمِ ، فقد عَرَفْتَ ما فيه .
ومِمَّنْ ذَهَبَ إليه أبو إسحاقَ فإنه قال:"نصفَه"بدلٌ من"الليل"و"إلاَّ قليلاً"استثناءٌ من النصفِ . والضميرُ في"منه"و"عليه"عائدٌ للنصف . المعنى: قُمْ نصفَ الليل أو انقُصْ من النصفِ قليلاً إلى الثلثِ ، أو زِدْ عليه قليلاً إلى الثلثِ ، أو زِد عليه قليلاً إلى الثلثَيْن ، فكأنَّه قال: قُمْ ثلثَيْ الليلِ أو نصفَه أو ثلثَه"."
قلت: والتقديراتُ التي يُبْرزونها ظاهرةٌ حسنةٌ ، إلاَّ أنَّ التركيبَ لا يُساعِدُ عليها ، لِما عَرَفْتَ من الإِشكال الذي ذكَرْتُه لك آنفاً .
الثاني: أَنْ يكونَ"نصفَه"بدلاً مِنْ"قليلاً"، وإليه ذهب الزمخشريُّ وأبو البقاء وابنُ عطية . قال الزمخشريُّ: " وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ"نصفَه"بدلاً مِنْ"قليلاً"، وكان تخييراً بين ثلاثٍ: بين قيامِ النصفِ بتمامِه ، وبين قيامِ الناقصِ منه ، وبين قيامِ الزائدِ عليه ، وإنما وَصَفَ النصفَ بالقِلَّةِ بالنسبة إلى الكلِّ " . قلت: وهذا هو الذي جعله أبو البقاء أَشْبَهَ مِنْ جَعْلِه بدلاً من"الليل"كما تقدَّمَ .