قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ} : للناس في هذا كلامٌ كثيرٌ ، واستدلالٌ على جوازِ استثناءِ الأكثرِ والنصفِ ، واعتراضاتٌ وأجوبةٌ عنها . وها أنا أذكرُ ذلك مُحَرِّراً له بعون اللهِ تعالى .
اعلم أنَّ في هذه الآيةِ ثمانيةَ أوجهٍ أحدُها: أنَّ"نصفَه"بدلٌ من"الليلَ"بدلُ بعضٍ من كلٍ . و"إلاَّ قليلاً"استثناءٌ من النصفِ كأنه قيل: قُمْ أقلَّ مِنْ نصفِ الليلِ . والضميرُ في"مِنْه"و"عليه"عائدٌ على النصفِ .
والمعنى: التخييرُ بين أمرَيْنِ: بينَ أَنْ يقومَ أقلَّ مِنْ نصفِ الليلِ على البَتِّ ، وبين أَنْ يَخْتارَ أحدَ الأمرَيْن ، وهما: النُّقْصانُ من النصفِ والزيادةُ عليه ، قاله الزمخشريُّ: وقد ناقَشَه الشيخ: بأنه يَلْزَمُه تكرارٌ في اللفظِ ؛ إذ يَصير التقديرُ: قُم نِصفَ الليلِ إلاَّ قليلاً مِنْ نِصْفِ الليل ، أو انقُصْ مِنْ نصفِ الليل . قال:"وهذا تركيبٌ يُنَزَّهُ القرآنُ عنه". قلت: الوجهُ فيه إشكالٌ ، لا من هذه الحيثية فإنَّ الأمرَ فيها سهلٌ ، بل لمعنىً آخرَ [سأَذْكرهُ قريباً إنْ شاء الله] .
وقد جعل أبو البقاءِ هذا الوجهَ مرجوحاً فإنه قال:"والثاني هو بدلٌ مِنْ قليلاً يعني النصف قال:"وهو أَشبهُ بظاهرِ الآية لأنه قال:"أو انقُصْ منه أو زِدْ عليه"، والهاءُ فيهما للنِّصْفِ . فلو كان الاستثناءُ من النصف لصار التقديرُ: قُم نصفَ الليل إلاَّ قليلاً أو انقُصْ منه قليلاً ، والقليلُ المستثنى غيرُ مقدَّر ، فالنقصانُ منه لا يُعْقَلُ". قلت: الجوابُ عنه: أنَّ بعضَهم قد عَيَّنَ هذا القليلَ: فعن الكلبيِّ ومقاتلٍ: هو الثلثُ ، فلم يكن القليلُ غيرَ مقدَّرٍ . ثم إنَّ في قولِه تناقضاً لأنه قال:"والقليلُ المستثنى غيرُ مقدَّرٍ ، فالنقصانُ منه [لا يُعْقَل"] فأعاد الضميرَ على القليل ، وفي الأولِ أعادَه على النصفِ ."