قوله تعالى: {وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ ... (12) }
أخبر في الأموال بالمد، وفي الجنات بالجعل، وفي سورة الشعراء (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ(133) وَجَنَّاتٍ) .. فإِن قلت: لم قدم الجنات على الأنهار مع أن الأنهار سبب في حصول الجنات؟ فالجواب من وجهين:
الأول: أن الجنات مقصد والأنهار وسيلة، والمقصد أحق بالتقديم.
الثاني: أن الجنات ذكرت بعد إرسال السماء عليهم مدرارا؛ فكأن السامع يتوهم أن المطر لَا يدوم بل ينقطع أحيانا فتبقى الجنات بلا سقي؛ فاحترس من ذلك بقوله (وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) .
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) }
فيه سؤال وهو أن المعلوم للخلق بالضرورة إنما هو مجرد السماوات لَا كونها سبعا، وأتى نوح عليه السلام بهذا الدليل تقريرا على قوله، فكأنه يقول لهم: ألم تعلموا أن الله خلق سبع سماوات طباقا فكيف تكفرون به؟ وهذا غير معلوم إلا من جهة السمع، أو من جهة النظر والرصد، وليس بأمر ضروري، والجواب أن علماء أهل الهيئة نصوا على أن ذلك يدرك بالرصد وأن القمر في السماء الدنيا، وعطارد في السماء الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة، وأنها كلها تكسف فتحجب بعضها، ولا يدرك ذلك إلا بطول الأعمار، فالمتقدمون لطول أعمارهم رصدوا ذلك فعلموا منه عدد السماوات، وهذه الآية من كلام نوح عليه السلام لقومه، وقد كانت أعمارهم طويلة فهم ممن حصل لهم العلم الضروري بكون السماوات سبعا من الرصد والكسوفات.
قوله تعالى: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ... (16) }