فإن قلت: لم أكد هذه الجملة بـ (إنَّ) مع أن موجب التأكيد ينتفي عن الله تعالى، والقائل: من أعلم النَّاس بالله؟ فالجواب أنه جرى على عادة البشر في مخاطباتهم، فإنهم يحترزون [[من أن يكون يحصر لهم] من يتعرض لهم بشيء، فيؤكدون كلامهم، بإنَّ. قلت: يجاب بأنه لشدة خوفه من عدم الخروج من عهدة التبليغ ترك نفسه منزلة الشاك في حصول التبليغ، قلت: هذا ينتج العكس؛ لأن التأكيد ينافي الشك ويدل على التحقق.
قوله تعالى: {لِتَغْفِرَ لَهُمْ ... (7) }
أوقع السبب موقع المسبب؛ لأن الدعاء إنما هو للإيمان لَا للمغفرة، لكن الإيمان سبب في المغفرة.
قوله تعالى: (كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ) .
عموم قوله (كُلَّمَا) ليس على حقيقته، وهو مخصوص بأول قسم لهم فإِنهم لم يجعلوا أصابعهم في آذانهم حينئذٍ؛ إذ لم يكن لهم علم بدعواه الرسالة إليهم؟ قلت: بل هو على عمومه لوروده بعد قوله (إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا) أي دعوتهم دائما فلم يؤمنوا ثم بعد ذلك دعوتهم فسدوا آذانهم وغطوا رؤوسهم؛ ولأنهم قد سمعوه أحيانا وأصغوا له وأجابوه، فقالوا (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) ، وأيضا الأول مطلق يصدق بصورة، وهو مطلق الدعوة في مطلق زمان فلا يفيد التكرار، فقال هنا (كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ) ليفيد التكرار، وأيضا يكون المراد بالأول الآباء، والثاني آبائهم وأبنائهم.
قوله تعالى: (وَاسْتَكْبَرُوا) .
استكبروا: تأكيد الاستكبار بالمصدر دون الإصرار، إما مراعاة لرؤوس الآي، وإما لأن الاستكبار مدرك بالبديهة، والإصرار من أفعال القلوب، والاستكبار أشنع، فلذلك أكده، ووجه الترتيب في هذه المعطوفات في جعل الأصابع في الآذان قدر مشترك بين جميعهم فقدم، وربما لم يكن عند بعضهم ثياب، فلا يتوجه طلب الاشتغال بالثياب فكان تابعا لأنه أخص، وقوله (وَأَصَرُّوا) لما كان دالا على وصفهم بالجفاء والبلادة، وتشبيههم بالحمر الوحشية كان تابعا لما قبله؛ لأنه ترق في الذم، وقوله (وَاسْتَكْبَرُوا) لما كان تجافيا للجهل والبلادة، وإنَّمَا يجب في حق الجاهل البليد أن يذل ...] كان هذا دالا أن جهلهم مركب؛ فكان تابعا لأنه أبلغ في الذم وفيه تهكم بهم.