سَوْآتِهِمَا) وقال: (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ
تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) . يقرأ بفتح اللام وخفضها من"ملكين".
"الوسرسة": إلقاء العدو في النفس، وترداد ذلك ومتابعته عليهما السلام، هذا
أصل ذلك، ثم اتسعوا بعد هذا وتجوزوا كالمعهود منهم، فقالوا للكلام الخفي:
وسواس.
قال الشاعر:
وَسوَس يَدْعُو مُخلِصًا رَبَّ الفَلَق
وقالوا لصوت الحُلي: وسواس؛ وذلك لمقاربة يطول الكلام بسياقها.
ولما كان العدو - لعنه الله - لا يألو العبد ضلالاً وخبالاً أربح ما تكون عند
نفسه صفقة أعظم ما تكون جنايته على العبد كما قال الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ
لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) .
ولفظ"الوسوسة"واقعٌ على ما كان أمرًا بكفر أو دخول بين العبد وربه - عز وجل - ثم
عمَّ بعد اسم الوسوسة، فما كان أمرًا بصغار الذنوب وكبارها، وخاصة مخاطبة
النفس لاتصاله بها بواسطة الجاري من حاملها مجرى الدم الكائن في مواد الخلقة،
ثم بواسطة القرين الملازم له المتصل بالفصل الموسوس.
قال رجل: يا رسول الله، أحدنا يجد الشيء في نفسه يتعاظمه حتى يود أنه
يكون حُمَمَة ولا يجده، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"قد وجدتموه، الحمد لله الذي رد كيده"
إلى الوسوسة، ذلك محض الإيمان"."
وذلك أن المعهود من العدو - لعنه الله - فيما يكون إلقاؤه المكروه منه في أرفع
السر وأعلى موجود الإيمان، فيتعاظم العبد ذلك، ووده أن يكون حممة جاء من
العالم الرقيب القريب، فبهذين كان ما يجده العبد من ذلك محض الإيمان.
ولما تأصل عليه العقد من أن كل ما تصور في الأوهام فهو بخلافه، فإن كل ما
خالف الموجود العلي فليس فيه (فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ(144) .
(فصل)
كانت وسوسة العدو لآدم - عليه السلام - عند نفسه وما نواه من ذلك دخولاً بينه وبين
ربه - عز وجل - أقام نفسه اللعينة في ذلك مقام الأمين الصدوق، والنصح المشفق على آدم