وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"للجنة أقرب إلى أحدكم من شسح نعليه، والنار كذلك".
وكما أن وجود الله أوجب لا محالة ولا مرية في ذلك في كل مكان نحن فيه،
وعلى كل حال نحن نكون عليها، وذلك غيب عنا وهو شاهد صادق الشهود،
حاضر كريم الحضور حقيقة حتى أن المكذب بذلك جاحد للحقيقة، خارج عن
الإيمان به، كذلك وجود الجنة والنار حق دون مرية ولا ريب وجود حضور وقرب،
وإن كان وجودهما غيبًا عنا.
وكذلك وجود الملائكة - صلوات الله عليهم أجمعين - وجود حق، وإن كانوا
بمغيب عن مشاهدتنا وأدنى موجودات الجنة البشر كله لا ينقصهم مراد، ولا
يعجزهم مطلوب، ولا يتجشمون قطع مسافة إلا أن يكون لهم في ذلك تنعيم فييسر
عليهم كل تجشم مباعده النعيم.
آية ذلك: حضور ما يحدثه الله - جلَّ جلالُه - على أيدي رسله من المعجزات، ويمنح
أوليائه من ضروب الكرامات، وإن الدنيا لتنشأ بما هي عليه الآن إلى أن يتحقق ذلك
فيها بحلول اليوم الآخر فتكون الجنة والنار، وعلى ذلك دلت الدنيا بسرائها
وضرائها وصفاتها كلها، وإن ذلك لمن تحقيق حضورها، أعني: الجنة والنار، وإن
كان ذلك غيبًا فكونه كذلك ليس بموجب له حكم العدم، بل هو وجود أرفع.
قال الله - جلَّ جلالُه - في عبد له قتل فيه: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(26)
بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) .
وقال في المحتضرين: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ(85)
إلى آخر السورة.
وإنما وجود هذه الدنيا إلى جنب وجود الآخرة بمنزلة النَّوم إلى جنب اليقظة،
وما يرى فيها بمنزلة العلم والرؤيا إلى جنب المشاهدة، والجنة في غيب السماوات
والأرض، كما كانت الدنيا يوم خلق الله آدم - عليه السلام - في غيب الجنة مع وجود
السماوات والأرض.
قال الله - جلَّ جلالُه - للملائكة - عليهم السلام - لما أنبأهم آدم - عليه السلام - بما أعلمه الله من
الأسماء وأظهر لهم المكنون: (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .