قول من قال: إنهما - عليهما السلام - كانا في الجنة عريانين لا يحتشمان من ذلك
حتى أكلا من الشجرة، قال: فحينئذٍ؛ بدت لهما سوآتهما، لأنهما رغم أكلهما الشجرة
تفتحت أعينهما وعرفا الخير والشر لأجل ذلك، وقد قال الله - جلَّ جلالُه -:(يَا بَنِي آدَمَ لَا
يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا
سَوْآتِهِمَا).
وهذا نص منه - جلَّ جلالُه - على أنه إنما ظهرت لهما سوآتهما؛ لأجل انتزاع لباسهما
عنهما، وكتاب الله - جلَّ جلالُه - المهيمن على كل كتاب قبله، والحجة البالغة على من خالفه.
وأبين مما تقدم دلالة قوله جل من قائل: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى(118)
وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) . فلو جاز أن يكونا عاريين في
الجنة لجاز أن يكونا جائعين ظامئين ضاحين، وهذا خلاف الكتاب والله يقص
الحق وهو خير الفاصلين.
بل كانا - عليهما السلام - فيما اشتهيأه ما عدا حكم الخلود، لولا أن الله كتب
الموت على هذه الدار لكانت دار الخلود، فلأجل الموت في هذه انفصلت من دار
الخلد، فإذا مات أحدنا حصل في دار الخلود، إما في خير وإما في شر، نعوذ بالله
من سوء المصير.
ألا تسمع إلى قوله - جلَّ جلالُه - في الفريقين معًا، وابتدء بذكر الأشقياء (فَأَمَّا الَّذِينَ
شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)
ودوام السماوات والأرض في هذه الدار الدنيا.
ثم قال وقوله الصدق: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) أي: من قيامهم إلى
الحشر يوم البعث، والنشور يوم الجمع، يوم الفصل والعرض على الله والميزان
والصراط، ووقوفهم قبل ذلك وفي حالتهم تلك إلى انفصال الأمر، وافتراق الجمع
إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، فاستثني هذا المذكور من حكم
الخلود بعدما عمه باسم الخلود وحكمه، وكون السَّمَاوَات والأرض والأمر على ما
هو عليه لا يخرج الجملة من حكم الخلود لولا الموت.