فَذَكَّرُوهُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ مَعَهُمْ وَصُحْبَتِهِمْ لَهُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ، كَمَا يُذَكِّرُ الْغَرِيبُ صَاحِبَ الْوَطَنِ بِصُحْبَتِهِ لَهُ فِي الْأَسْفَارِ {أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} نَصُومُ كَمَا تَصُومُونَ، وَنُصَلِّي كَمَا تُصَلُّونَ، وَنَقْرَأُ كَمَا تَقْرَءُونَ، وَنَتَصَدَّقُ كَمَا تَتَصَدَّقُونَ، وَنَحُجُّ كَمَا تَحُجُّونَ؟ فَمَا الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَنَا الْيَوْمَ، حَتَّى انْفَرَدْتُمْ دُونَنَا بِالْمُرُورِ؟
{قَالُوا بَلَى} وَلَكِنَّكُمْ كَانَتْ ظَوَاهِرُكُمْ مَعَنَا وَبَوَاطِنُكُمْ مَعَ كُلِّ مُلْحِدٍ، وَكُلِّ ظَلُومٍ كَفُورٍ {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ - فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحديد: 14 - 15] .
لَا تَسْتَطِلْ أَوْصَافَ الْقَوْمِ، فَالْمَتْرُوكُ وَاللَّهِ أَكْثَرُ مِنَ الْمَذْكُورِ، كَادَ الْقُرْآنُ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ فِي شَأْنِهِمْ، لِكَثْرَتِهِمْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَفِي أَجْوَافِ الْقُبُورِ، فَلَا خَلَتْ بِقَاعُ الْأَرْضِ مِنْهُمْ لِئَلَّا يَسْتَوْحِشَ الْمُؤْمِنُونَ فِي الطُّرُقَاتِ، وَتَتَعَطَّلَ بِهِمْ أَسْبَابُ الْمَعَايِشِ، وَتَخْطَفَهُمُ الْوُحُوشُ وَالسِّبَاعُ فِي الْفَلَوَاتِ، سَمِعَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَهْلِكِ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ هَلَكَ الْمُنَافِقُونَ لَاسْتَوْحَشْتُمْ فِي طُرُقَاتِكُمْ مِنْ قِلَّةِ السَّالِكِ.