ومن راجع وجد أنه أدرك أن بين الدماغ والقلب رابطة معنوية ومراجة سرية لا ينكرها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، لكن معرفة حقيقة ذلك متعززة كما هي متعذرة والإشارة إلى كنه ما هنلك على أرباب الحقائق وأصحاب الدقائق متعسرة ، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه ، والعجز عن درك الإدراك إدراك.
والسمع مصدر سمع سمعا ومساعا ويطلق على قوة مودعة فِي العصب المفروش أو المبطل فِي الأذن تدرك بها الأصوات ويعبر به تارة عن نفس الأذن وأخرى عن الفعل نحو {إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 212] ، والأبصار جمع بصر وهو فِي الأصل بمعنى إدراك العين وإحساسها ثم تجوز به عن القوة المودعة فِي ملتقى العصبتين المجوفتين الواصلتين من الدماغ إلى الحدقتين التي من شأنها إدراك الألوان والأشكال بتفصيل معروف فِي محله وعن العين التي هي محله ، وشاع هذا حتى صار حقيقة فِي العرف لتبادره وهو المناسب للغشاوة لتعلقها بالأعيان ويناسب الختم ما يناسب الغشاوة ، وإنما قدم سبحانه الختم على القلوب هنا لأن الآية تقرير لعدم الإيمان فناسب تقديم القلوب لأنها محل الإيمان والسمع والأبصار طرق وآلات له وهذا بخلاف قوله تعالى: {وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} [الجاثية: 23] فإنه مسوق لعدم المبالاة بالمواعظ ولذا جاءت الفاصلة {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] فكان المناسب هناك تقديم السمع ، وأعاد جل شأنه الجار لتكون أدلة على شدة الختم فِي الموضعين فإن ما يوضع فِي خزانة إذا ختمت خزانته وختمت داره كان أقوى المنع عنه وأظهر فِي الاستقلال لأن إعادة الجار تقتضي ملاحظة معنى الفعل المعدى به حتى كأنه ذكر مرتين ، ولذا قالوا فِي مررت بزيد وعمرو: مرور واحد ، وفي مررت بزيد وبعمرو: مروان ، والعطف وإن كان فِي قوة الإعادة لكنه ليس ظاهراً مثلها فِي الإفادة لما فيه من الاحتمال.
ووحد السمع مع أنه متعدد فِي الواقع ومقتضى الانتظام بالسباق.