وليكن هذا المقدار كافياً فِي هذا المقام ولشحرور القلم بعد إن شاء الله تعالى على كل بانة تغريد بأحسن مقام {والقلوب} جمع قلب وهو فِي الأصل مصدر سمي به الجسم الصنوبري المودع فِي التجويف الأيسر من الصدر وهو مشرق اللطيفة الإنسانية ، ويطلق على نفس اللطيفة النورانية الربانية العالمة التي هي مهبط الأنوار الإلهية الصمدانية وبها يكون الإنسان إنساناً وبها يستعد لاكتساب الأوامر واجتناب الزواجر وهي خلاصة تولدت من الروح الروحاني ويعبر عنها الحكيم بالنفس الناطقة ولكونها هدف سهام القهر واللطف ومظهر الجمال والجلال ومنشأ البسط والقبض ومبدأ المحو والصحو ومنبع الأخلاق المرضية والأحوال الردية ، وقلما تستقر على حال وتستمر على منوال سميت قلباً فهي متقلبة فِي أمره ومنقلبة بقضاء الله وقدره.
وفي الحديث"إن القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح"وقد قال الشاعر:
قد سمي القلب قلباً من تقلبه...
فأحذر على القلب من قلب وتحويل
وتسمية الجسم المعروف قلباً إذا أمعنت النظر ليس إلا لتقلب هاتيك اللطيفة المشرقة عليه لأنه العضو الرئيس الذي هو منشأ الحرارة الغريزية الممدة للجسد كله ويكنى بصلاحه وفساده عن صلاح هاتيك اللطيفة وفسادها لما بينهما من التعلق الذي لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى وكأنه هذا قال صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن فِي الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"وكثير من الناس ذهب إلى أن تلك المضغة هي محل العلم ، وقيل: إنه فِي الدماغ وقيل إنه مشترك بينهما وبني ذلك على إثبات الحاوس الباطنة والكلام فيها مشهور.