قسم لم تره العيون لكن سمعت به الآذان، فجاءت به النصوص الشرعية وذكرته، مثل القوارير من الفضة كما سيأتي إن شاء الله ذكره.
قسم لم تره العيون ولم تسمع به الآذان وقد يخطر على قلوب البشر، ولا نقدر على التمثيل عليه لأنه لا نعلم إن كان المثال موجودا أم لا، لكن هناك أمور لم تحصل في الدنيا ولم يكن لها شبيه ولم يأت في النصوص ذكر وجوده في الجنة، وقد يخطر على قلوب البشر تصوره وتخيله مثل أن الشخص يطير بنفسه.
قسم لم تره العيون ولم تسمع به الآذان ولم يخطر على قلوب البشر، وهذا النعيم العظيم الذي أخفي عن البشر، فلم تر العيون له شبيها في الدنيا ولم يأت في النصوص ذكره ولم يخطر على قلوب البشر وخيالاتهم ذكره ولم تبلغ عقولهم كنهه أو مداه ولم تصل إليه أفهامهم مطلقا، على أن باب الخيال والتفكير باب واسع لا يحده حد ومع ذلك فقصرت عقول البشر عن بلوغه أو أن تكون قد فكرت به مطلقا.
وهذا الثواب العظيم الجديد مدخر لأولياء الله، بل زد على هذا إذا علمت أن هذا الثواب المخفي عن البشر أعظم من الثواب الذي أظهر لهم في النصوص الشرعية، وأن ما أخفي عنا من نعيم الجنة أعظم مما أطلعنا عليه على عظم ما أطلعنا عليه.
فقد جاء في حديث أبي هريرة السابق: (بله ما أطلعتم عليه ثم قرأ: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون} .
قال ابن الجوزي في كشف المشكل:"اعلم أن الله عز وجل وعد الصالحين من جنس ما يعرفونه من مطعم ومشرب وملبس ومنكح وغير ذلك، ثم زادهم من فضله ما لا يعرفونه فقال: (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت) ولا يخطر على القلب تصوير ما لم ير ولم يسمع، فقال: (ولا خطر على قلب بشر) ."
وقوله: (بله ما أطلعكم عليه) أي سوى ما أطلعكم، وقال أبو عبيد: دع ما أطلعهم عليه، قال أبو زبيد الطائي:
حمال أثقال أهل الود آونة ... أعطيهم الجهد مني بله ما أسع
فإن قيل: ما معنى: دع ما أطلعهم عليه؟ فالجواب: أن المعنى: إن ما أطلعهم عليه محتقر بالإضافة إلى ما لم يطلعوا عليه، وإنما ذكر ما يعرفونه أولا لسببين: