طلب رضا الله هو غاية الغايات ومنتهى الإرادات، فلا غاية تعلوه أو مطلب يعدوه، فإن الله عز وجل إذا رضا عن العبد كان لهذا الرضا من الآثار العظيمة ما لا يحصره حاصر، فالجنة كلها لا تنال إلا برضا الله تعالى، قال تعالى: {وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا} وقال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} وقال تعالى: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} وقال تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي} ومن ثواب أهل الجنة أن الله تعالى يرضى عنهم رضا لا سخط بعده أبدا، وهذا الرضا هو أكبر وأفضل مما أعطوه من الجنة ونعيمها، فإن أهل الجنة لو فازوا بهذا الرضا دون أن يدخلوا الجنة لكفاهم.
قال تعالى عن أهل الجنة في غير ما آية من كتابه: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} .
وقال تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} .
وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .
روى ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن أبي عبد الملك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (نعيم أهل الجنة برضوان الله عنهم أفضل من نعيمهم بها في الجنان) . وهو مرسل.
وروي عن سعيد بن جبير في قوله: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} يعني: (إذا أخبروا أن الله عنهم راض فهو أكبر عندهم من التحف والتسليم) . رواه ابن أبي حاتم.
قال الشوكاني في فتح القدير:"والتنكير في رضوان: للتحقير، أي: ورضوان حقير يسير من رضوان الله أكبر من ذلك كله الذي أعطاهم الله إياه، وفيه دليل على أنه لا شيء من النعم وإن جلت وعظمت يماثل رضوان الله سبحانه وأن أدنى رضوان منه لا يساويه شيء من اللذات الجسمانية، وإن كانت على غاية ليس وراءها غاية، اللهم ارض عنا رضا لا يشوبه سخط، ولا يكدره نكد، يا من بيده الخير كله دقه وجله."انتهى.