فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 569

سبق أن بينا أن الدرجات الكبرى في الجنة تحوي على درجات صغرى فيها، وأعلى هذه الدرجات الكبرى الفردوس الأعلى كما ورد في حديث عبادة بن الصامت: (وإن الفردوس أعلاها درجة) فهو يحوي أيضا على درجات صغرى فيه. فليس أهل الفردوس متساويين في النعيم والدرجة، والدليل على هذا أن من سكان الفردوس النبيين والصديقين والشهداء، ومعلوم أنهم يتفاضلون وليسوا على درجة واحدة، وقد ورد عند الترمذي بإسناد حسن عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (يقول إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن، ثم صلوا علي من صلى صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، ومن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة) . ومعلوم أن أعلى درجة في الجنة هي الفردوس الأعلى، إذ ليس فوقه إلا العرش، وأفاد الحديث بأن أعلى درجة هي الوسيلة، وأنها لرجل واحد وهو النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا يدل على أن الفردوس درجات وأن الوسيلة أعلى درجة منه.

قال ابن القيم في الحادي:"وسميت درجة النبي - صلى الله عليه وسلم - الوسيلة لأنها أقرب الدرجات إلى عرش الرحمن، وهي أقرب الدرجات إلى الله، وأصل اشتقاق لفظ الوسيلة من القرب، وهي فعيلة من وسل إليه إذا تقرب إليه."

قال لبيد: بلى كل ذي رأي إلى الله واسل.

ومعنى الوسيلة من الوصلة ولهذا كانت أفضل الجنة وأشرفها وأعظمها نورا."انتهى."

وقال أيضا:"والقربى والزلفى واحد، وإن كان في الوسيلة معنى التقرب إليه بأنواع الوسائل، وقال الكلبي اطلبوا إليه القربة بالأعمال الصالحة، وقد كشف سبحانه عن هذا المعنى كل الكشف بقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} فقوله: {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} هو تفسير للوسيلة التي يبتغيها هؤلاء الذين يدعوهم المشركون من دون الله، فيتنافسون في القرب منه، ولما كان رسول أعظم الخلق عبودية لربه، وأعلمهم به وأشدهم له خشية، وأعظمهم له محبة، كانت منزلته أقرب المنازل إلى الله، وهي أعلى درجة في الجنة، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته أن يسألوها له، لينالوا بهذا الدعاء زلفى من الله وزيادة الإيمان، وأيضا فإن الله سبحانه قدرها له بأسباب منها دعاء أمته له بها بما نالوه على يده من الإيمان والهدى صلوات الله وسلامه عليه."انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت