قال القرطبي في المفهم:"يقال هنا: أي حاجة في الجنة للأمشاط، ولا تتلبد شعورهم ولا تتسخ، وأي حاجة للبخور وريحهم أطيب من المسك؟ ويجاب عن ذلك: بأن نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم، فليس طعامهم عن جوع، ولا شرابهم عن ظمأ، ولا تطيبهم عن نتن، وإنما هي لذات متوالية، ونعم متتابعة؟ ألا ترى قوله تعالى لآدم: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} . وحكمة ذلك أن الله تعالى نعمهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله كما قدمناه". انتهى.
قال السندي في حاشية ابن ماجه:" (أمشاطهم) قيل: الامشاط لا يلزم أن تكون لتلبيد الشعر ووسخها، بل لزيادة تزين ورفاهية كذا التبخير لا يلزم أن يكون لدفع النتن وخبث الرائحة، بل يكون لزيادة التطيب والتنعم فلا يرد أنه لا حاجة لأهل الجنة إلى الامتشاط والتبخر لعدم تلبيد شعرهم ولا وسخ فيها وريحهم أطيب من المسك"انتهى.
فكل ما يطرأ على البال من جميع ما يستقذر ويؤذي داخل أجساد بني آدم مما كان في الدنيا تطهر منه أجساد أهل الجنة.
ففي مسند إسحاق بإسناد حسن عن علي - رضي الله عنه - في قوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا} وجدوا عند باب الجنة شجرة. قال معمر: يخرج من ساقها، وقال الثوري: من أصلها عينان فعمدوا إلى إحداهما، فكأنما أمروا بها، قال معمر: فاغتسلوا بها، وقال الثوري: فتوضؤوا منها، فلا تشعث رؤوسهم بعد ذلك أبدا، ولا تغير جلودهم بعد ذلك أبدا، كأنما ادهنوا بالدهان، وجرت عليهم نضرة النعيم، ثم عمدوا إلى الأخرى فشربوا منها، فطهرت أجوافهم فلا يبقى في بطونهم قذى ولا اذى ولا سوءا إلا خرج .... )، وأبو إسحاق قد صرح بالتحديث في رواية أبي نعيم، ومثل هذا الأثر لا يقال بالرأي فله حكم الرفع.
وفي رواية ابن أبي الدنيا في صفة الجنة: (فأذهبت ما في بطونهم من قذر، وأذى أو بأس الدنيا) .