قال ابن القيم في الحادي:"والمقام الأمين موضع الإقامة، والأمين الآمن من كل سوء وآفة ومكروه، وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها، فهو آمن من الزوال والخراب وأنواع النقص، وأهله آمنون فيه من الخروج والنغص والنكد، والبلد الأمين الذي قد أمن من أهله فيه مما يخالف منه سواهم، وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} وفي قوله تعالى: {يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ} فجمع لهم بين أمن المكان وأمن الطعام، فلا يخافون انقطاع الفاكهة ولا سوء عاقبتها ومضرتها، وأمن الخروج منها فلا يخافون ذلك وأمن من الموت فلا يخافون فيها موتا."انتهى.
عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا {وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} ) . متفق عليه.
وسيأتي ذلك إن شاء الله مزيد تفصيل لهذا.
قال ابن القيم في بدائع الفوائد:"فائدة: سأل سائل فقال: إذا كانت الجنة لا موت فيها فكيف يأكلون فيها لحم الطير وهو حيوان قد فارقته الروح؟ فأجيب بأنه يجوز أن لا يكون ميتا."
وهذا جواب في غايه الغثاثة، قال ابن عقيل:"وما الذي أحوجه إلى هذا والجنة دار لا يخلق فيها أذى ولا نصب لا مطلقا، بل لا يدخل الدخل إليها ذلك على طريق الإكرام كما قال تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} وذلك مشروط بالطاعة، فإذا جاز ذلك في حق آدم علم أنه ليس بواجب في حق الطير، ولا يمتنع في قدرة الله تعالى أن يكون هذا الطائر مشوبا لا عن روح خرجت منه أو عن روح خرجت خارج الجنة وولج الجنة وهو لحم مشوي".
قلت: وما الذي أوجب هذا التكلف كله، فالجنة دار الخلود لأهلها وسكانها، وأما الطير فهو نوع من أنواع الأطعمة التي يحدثها الله لهم شيئا بعد شيء فهو دائم النوع وإن آحاده متصرمة كالفاكهة وغيرها، وقد