فهرس الكتاب

الصفحة 485 من 569

فصل تابع: تفاضل النعيم وأثره في النفوس

سبق وأن تكلمنا على تفاضل النعيم والدرجات في الجنة، وأن أهلها ليسوا على مرتبة واحدة في النعيم والدرجة والتفضيل.

ولابد هنا وأن يحصل التساؤل: أن المعروف أن البشر يتطلعون إلى طلب الفضل وأن كل شخص يريد أن يكون أفضل من الآخر، ويحزن إذا سبقه أحد بالفضل، وهذا يشكل على من يرى غيره في الجنة أفضل منه في النعيم، فما الجواب على مثل هذا؟

أولا: يجب أن نعلم أنه لا تحاسد بين أهل الجنة مطلقا، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين في أول زمرة يدخلون الجنة وفيه: (قلوبهم على قلب رجل واحد لا اختلاف بينهم ولا تباغض ولا تحاسد) .

وقد سبق الكلام على قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} وأن من المفسرين من يفسره بعدم وقوع الحسد بينهم في تفاوت المنازل وذلك عند الكلام على أخلاق أهل الجنة.

ثانيا: يجب أن يعلم أنه لا حزن في الجنة كما سبق، وأن أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون مطلقا، فلا يطرأ على قلب أحد في الجنة الحزن، وكل الأعراض النفسية السلبية الأخرى منفية في الجنة، وعليه فإن أهل الدرجات الدنى لا يحزنون عندما يرون ما أكرم به أهل الدرجات العلى ويرضي الله تعالى كلا بدرجته.

فإن قيل: كيف يقع هذا؟

فقد أجاب العلماء عن ذلك، فروى ابن المبارك بإسناد صحيح عن الضحاك في قوله تعالى: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} قال بعضهم: أفضل من بعض، فيرى الذي قد فضل به فضله، ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد من الناس.

وقال ابن الجوزي في صيد الخاطر:"فصل: الدنيا ميدان سباق تأملت حالة عجيبة، وهو أن أهل الجنة الساكنين في أرضها في نقص عظيم بالإضافة إلى من فوقهم، وهم يعلمون فضل أولئك."

فلو تفكروا في ما فاتهم من ذلك وقعت الحسرات، غير أن ذلك لا يكون، لأن ذلك لا يقع لهم لطيب منازلهم، ولا يقع في الجنة غم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت