6.أن جنات السابقين أفضل من حيث الأسرة والفرش، كما قال تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} وقال: {عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ} .
وهذه فضائل عظيمة للمقربين، ولا شك أن المميزات التي تميز المقربين عن أصحاب اليمين أكثر من ذلك، ولكن هذا ما ظهر لنا.
وقد ورد عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (سأل موسى ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجئ بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: أدخل الجنة، فيقول: أي رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدى، وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولن يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه في كتاب الله عز وجل: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} . رواه مسلم.
وقوله: (وختمت عليها) أي فلا يطرأ على كرامتهم تغيير ولا نقص، بل نعيمهم على الكمال، وانظر يا أخي إلى أدنى أهل الجنة وُصِف ما أعد له، أما أعلاهم فلم يُصَف لعظمته، فالأمر أيضا فوق العقل، والنعيم فيه فوق أن يحيط به عقل، ويخطر على قلب بشر، ويكفي يا أخي أن تقف على قدر أدنى أهل الجنة منزلة لتعرف ما قدر أعلاهم، وقد سبق سرد النصوص التي تفصل ما أعد لأدنى أهل الجنة منزلة في أوائل الكتاب، فإذا كان هذا ما أعد لأدنى أهل الجنة وهو أمر عظيم في نظرنا، فكيف بما أعد لأوسطهم؟ بل كيف بما أعد لأعلاهم؟ وبينه وبين أدناهم ارتفاع خمسين ألف سنة من الدرجات، فلا شك أنه أعظم وأعظم وأعظم بأضعاف مضاعفة، بل لا يحيط العقل بالتفاضل.
أنهار الجنة كثيرة، وأشهرها وأعظمها الأنهار الأربعة التي ذكرها الله تعالى في كتابه فقال تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} فأنهار الماء وأنهار العسل وأنهار الخمر وأنهار اللبن، وليس في الجنة من أمور الدنيا إلا الأسماء كما ورد عن ابن عباس قال: (ليس في الدنيا من الجنة شيء إلا الأسماء) . رواه ابن أبي حاتم بإسناد صحيح، فلا الطعم نفس الطعم، ولا اللذة نفس اللذة.