وهذا الاسم أطلق عليها لأنها آخر المنازل، فلا منزلة بعدها ينتقل إليها الإنسان كما كان يتنقل من قبل وخصصت به الجنة وإن كانت النار دار للكفار في الآخرة، لأن ما فيها من الحياة والنعيم والمسرات واللذات والعيش الهانئ هي الأصل، وهي التي لها الشأن، وهي التي تستحق أن تذكر وهي الدار التي تستحق أن يعمل لها ويتعب ويكد من أجلها.
قال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} . وقال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} .
قال ابن القيم في الحادي:"مقعد الصدق وقدم الصدق، قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} . فسمى جنته مقعد صدق لحصول كل ما يراد من المقعد الحسن فيها، كما يقال مودة صادقة إذا كانت ثابتة تامة، وحلاوة صادقة وحملة صادقة، ومنه الكلام الصدق لحصول مقصوده منه، وموضع هذه اللفظة في كلامهم الصحة والكمال، ومنه الصدق في الحديث والصدق في العمل والصديق الذي يصدق قوله بالعمل، والصدق بالفتح الصلب من الرماح، ويقال للرجل الشجاع أنه لذو مصدق أي صادق الحملة، وهذا مصداق هذا أي ما يصدقه، ومنه الصداقة لصفاء المودة والمخالة، ومنه صدقني القتال وصدقني المودة، ومنه قدم صدق ولسان صدق ومدخل صدق ومخرج صدق وذلك كله للحق الثابت المقصود الذي يرغب فيه بخلاف الكذب الباطل الذي لا شيء تحته، وهو لا يتضمن أمرا ثابتا قط، وفسر قوم صدق بالجنة، وفسر بالأعمال التي تنال بها الجنة، وفسر بالسابقة التي سبقت لهم من الله، وفسر بالرسول الذي على يده وهدايته نالوا ذلك، والتحقيق أن الجميع حق، فإنهم سبقت لهم من الله الحسنى بتلك السابقة، أي بالأسباب التي قدرها لهم على يد رسوله وأدخر لهم جزاءها يوم القيامة، ولسان الصدق وهو لسان الثناء الصادق بمحاسن الأفعال وجميل الطرائق، وفي كونه لسان صدق اشارة إلى مطابقته للواقع، وأنه ثناء بحق لا بباطل، ومدخل الصدق ومخرج الصدق هو المدخل والمخرج الذي يكون صاحبه فيه ضامنا على الله، وهو دخوله وخروجه بالله ولله، وهذه الدعوة من أنفع الدعاء للعبد، فإنه لا يزال داخلا في أمر وخارجا من أمر، فمتى كان دخوله لله وبالله وخروجه كذلك كان قد أدخل مدخل صدق وأخرج مخرج صدق، والله المستعان"انتهى.