فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 569

روى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوما يحدث، وعنده رجل من أهل البادية: (أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع، قال: فبذر، فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء) فقال الأعرابي: والله لا تجده إلا قرشيا، أو أنصاريا، فإنهم أصحاب زرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وفي رواية للبخاري: (واستحصاده وتكويره) .

قال القاري في المرقاة:" (من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع) أي: بناء على ما تعوده به في الدنيا، أو لتنزهه به في العقبى (فقال) أي ربه، وفي نسخة فيقال له: (ألست فيما شئت؟) أي من الأكل والشرب وسائر أنواع التنعم (قال: بلى، ولكن أحب أن أزرع، فبذر) الفاء فصيحة أي: فأذن له فيه فبذر أي رمى البذر في أرض الجنة (فبادر الطرف) - بسكون الراء - تحريك الجفون في النظر أي فسابقه (نباته) والمعنى: فحصل نباته في الحال، وكذا قوله (واستواؤه واستحصاده) أي من غير مؤنة للحصاد من جانب العباد، فكان أمثال الجبال)."انتهى.

قال الحافظ في الفتح:"وتكويره أي جمعه وأصل الكور الجماعة الكثيرة من الإبل، والمراد أنه لما بذر لم يكن بين ذلك وبين استواء الزرع ونجاز أمره كله من القلع والحصد والتذرية والجمع والتكويم إلا قدر لمحة البصر."انتهى.

والمراد أن هذا الرجل طلب الزراعة في الجنة، وأذن له فيها فبذر فنبت واستوى النبات وتم حصده فجمعه على أكوام كأمثال الجبال في طرفة عين، وهذا من عجائب ما في الجنة.

قال ابن القيم في الحادي:"وهذا يدل على أن في الجنة زرعا، وذلك البذر منه، وهذا أحسن أن تكون الأرض معمورة بالشجر والزرع، فإن قيل: فكيف استأذن هذا الرجل ربه في الزرع فأخبره أنه في غنية عنه؟ قيل: لعله استأذنه في زرع يباشره ويزرعه بيده، وقد كان في غنية عنه، وقد كفى مؤنته."انتهى.

وقد روى أبو نعيم في صفة الجنة بإسناد لا بأس به عن التابعي عبيد بن عمير قال: (أرض الجنة مستوية، لا تكلم أنهارها أرضها، وقال: ودخل رجل الجنة، فأعجبه طيب الأرض، فزرع واستحصد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت